درسٌ بحرارة الماء

 
الصدى - درس
لوحة للفنان زهير حسيب

في التاسعة من عمري وربما أصغر ، وحين كنت يوماً في بيت عمتي ، رحمها الله ، وقع إبريق الماء من الطباخ واندلق ماء ساخن في درجة الغليان على يدي فانسلخ الجلد واعتصرني ألماً ، لكنني لم اتفوه بكلمة ، ورحت الى حيث كانت عمتي تجلس ووقفت صامتة ، فسألتني عما بي ؟ أجبتها بأن ماء الإبريق المغلي اندلق على يدي .. سألتني مندهشة : احترقت يدك ولاتصرخين ؟!

مرت السنوات ، ودلقت الدنيا عليّ الكثير من مائها الحار ! وبقيتُ على طبعي في التكتم على آلامي .. تلك الآلام زادت من قدرتي على التحمل والمكابرة وتجاوز الخذلانات بوجهٍ يبتسم للدنيا ..

مرت السنوات وبقيت الدمعة المحبوسة وراء عيني تعيد إنتاج ذاتها عبر شفتيّ في شكل ابتسامة ، مثلما يعيد ماء الإبريق الساخن إنتاج ذاته في ذاكرتي كلما أعدّت الدنيا إبريقا من أباريقها لتضعه في طريقي ، او كلما وجدتُ من يشكي او يبكي امراً لايستحق البكاء او الحزن ، لأنّ جلده لم ينسلخ بماء حار حتى يعرف مامعنى القدرة على التحمل .. ومامعنى أن يبتسم شديد الألم ويستمر في أداء واجباته والاضطلاع بمسؤولياته من غير أن يتأوه ، حتى ليظن الناظرون اليه أنه من المحظوظين والسعداء ، وتصيبهم دهشة المفاجأة حين يعرفون أيّ آلامٍ يحمل في أعماقه وأيّ صعوبات يتحداها ويواجهها في حياته .

شكراً لإبريق الماء الحار الذي اندلق على يدي مبكرا .. وشكرا للدنيا التي تملك من الأباريق الحارة مالايعد ولايحصى ، فالحكمة والقوة تزيدان في الإنسان كلما زاد عدد الحروق ومساحة الأوجاع .. وعرف كيف يوظفها ليرقع جلده بها ويكتسب المناعة بفضلها .
***
آخر سطر :
لاتدع قلبك يمزقهُ الألم ، ولابيادرك يهشمها غضبُ العواصف . الروح العظيمة ترى الألم ريحاً صرصراً ، أما الفرح فهو السنبلة التي تنحني للريح لكنها لاتنكسر .

لا تعليقات

اترك رد