فريدة

 
(لوحة للفنانة هناء بكتاش)

لست ادون هذه المذكرات لأولادي ، فلا أحبذ أن تقع اعينهم عليها، مثلما ارفض ان يطالعها مخلوق سواي، فليس فيها من موعظة بعد أن تسللت سنوات العمر كما يتسلل الماء القراح من بين الاصابع، ولا اود ان الوح بها نحو حب جديد فالحب اصبح لعبة قديمة طويتها مع لعبي، ولا ابغِ منها مجدا ولم تعد الدنيا لتعني عندي بامجادها وخيباتها اكثر من حفنة تراب تعدل العمر..وحسبي انها تهبني راحة الصدق وجمال المصارحة ..فالوجه يبدو هادئا مريحا حين يزول عنه الطلاء. كنت فتاة جميلة اداعب وجه امي، اتلفع بطيات المباهج واحلق في السماء بعيدا قريبة من احلامي، ارسم صورة لغد احسبه ماثلا بين يدي، احرق بالاشواق واللوعة ساعات متيبسة من الضجر والسأم، ارسم صورة له اخبئها تحت جدائل القمر وعلى وجنات السحاب، فريدة.. ذلك الاسم الذي ولدت به ولا اعلم على وجه الدقة من اطلقه علي…. الحياة. مازلت اذكر اول لحظات صحوتي على وقع اقدامهم وبنادقهم مصوبة نحو صدر امي ووالدي مكبل بالاصفاد بلا حول ولا قوة .. وما اقسى ان يكون مانحك القوة بلا قوة، وواهبك حرية العيش بلا حرية .. دفنت احلامي تحت بلاط المعتقلات وانا ابحث عن صورة ابي القديمه، بدا كمن قفز به الدهر الف عام دفعة واحده، محدودب الظهر يتكلم بتباطؤ.. غير ان جذوة التوق نحو الحرية والغد لم تنطفيء من عينيه.. ومنها اضحت الحرية معشوقتي والوطن السعيد هدف يسري في دمي. لا اعلم كيف سارت بي الايام ورياحها تكسر اشرعة السفينه وترفع امواج بحارها تلك السفينه، تعالت وحطت ، سارت بي على يبس وكانت الصحارى على مرمى من بصري، ما كنت اظن اشرعتها ستسدل في صحراء قاحلة تكسوها الرمال.. رمال من نار
.. كنت بين يديه.. وحش بشري خالص، كريه السحنات ، بغيض الصوت، لا اعلم كيف له ان يحيا وهو دون قلب، ومالقلب سوى خافق قوامه الرحمه.. لم اتخيل نفسي معه يوما وعاطفة تجتاحني، لم انتظر منه مصارحة ولا خفق لوقع اقدامه قلبي، كنت اشعر ان امرا جللا قد وقع…واني كفنا يجوب حول رفاة سعادة لا اكاد اراها.. لكني اتحسس نزعات روحها الاخيرة… ما ابشع ان ندفن سعادتنا بايدينا.. ونحن الشهود على لحظات جودها بأنفاسها الاخيره.. …

يتعاقب ليل ونهار لولا شمسه لظننته ليلا يلوح لي بعباءته الداكنة الموحشة، احيا بلا روح وتبكيني صور العشاق وهم يبوحون لبعض بخلجات انفسهم العفيفه وطهرهم، اشعر بقبضة حول رقبتي واياديهم تتشابك ببعضها وهمسات بوحهم الساخنه تذيبني وتحيلني بخار امرأة يتصاعد ويكاثف ويهبط دمعا.. كنت اراهم في العمل.. فسحة الحرية اليتيمة لي، يرسمون قادما صار عندي محض ماض سحيق، يتطلعون نحو غد ليس لي فيه من امل.. يؤدون على ايقاع فرح الزمان رقصة غجرية قلبي ارضها المثقل بالكدمات.. حتى يمزق وجومي صوت المدير وهو يؤدي ترنيمته الابدية .. هات ما عندك يا فريده.. مديري نفسه كان بائسا سحيقا، خليطا من طيبة ومكر، ايمان وكفر، اغرودة جمود وتباريح نار.. لم افهمه ولم اخفه، فليس عندي ما اخسره، وليس لديه من سطوة سوى احتكامه على دريهمات السلطان.. محض دنانير معدوده لخدمة وظيفيه متجمده.. كسمكة بارده بلا حياة.
مات زوجي فلم تشيعه غير ذكرى بلا ذكريات، ومرارة تخلو من حلاوات، ليست تذكر غير التقريع واللوم ، وصفعات بلا معنى، عدوان وان لم يقابله صمت من لدني لكنه يظل عدوانا وجرحا غائرا بجبين زمن اهوج.. لقنني ابي حكمة عظيمه.. انا لو صمتنا ازاء من اعتدى علينا فصفعات انفسنا لنا اقسى من صفعاته لو رددناه وصرخنا بوجهه.. بت اقوى، اذا ما رفع يده ليضربني رفعت يدي لاصده وادفعه.. واذا ما صرخ لا اجابهه بصمت بل الوح له ببغضي وكراهيتي.. انا نافرة منه واود الخلاص،وعينا ولدي الوامضتان بالحب والبراءة تمنعاني من ترك الدار..الدار التي ليس لي فيها من شيء سوى عشق محنط ميت لم ير النور.. تحت بلاطها المهشم القديم.. ظل جمالي محط انظار النسوة من حولي.. لربما كنت استطيع منع انظار الرجال .. ولكن انى لي بانظار نساء معي خارج الدار وفي باحته، لا استطيع منعهن من التسلل نحو حياتي ومداعبة خصلات شعري،فهن نساء مثلي، كل منهن تريدني نصيبا لاخيها ان كانت بعمري او ابنها ان كانت ضعف عمري، ليست تخفى تلميحات المراة على المرأه.. كيف تعيشين وحدك ..
(( ظل الرجل ودونه نار الهجير.. الوحيدة وحيدة والزمن سجان..) .. رباه.. تغلب المرأة الف رجل ولا تقوى على الصمود ازاء امرأة، تدس انفها في كل شيء.. ولا تدرك ان المشاعر كما الانسان.. تولد وتنمو وتشب وتشيخ .. ثم تموت!
انى يدرك من يطرق الباب اني بت لا اسمع طرقات الباب ولا طرقات القلب، وان العوز والنار واللهيب احالتني الى كائن ثان.. لا يدرك من الحياة غير صرخة مكبوتة لمظلوم وآهة تبلغ عنان السماء من يتيم.. امراة تود ان تقرا في كل يوم الف كتاب والف الف سطر، وتسبر غور الحياة لتمد للمحتاج ما يسد رمقه..والاعمى ما يستدل به على طريقه.. قسا الزمان وتجبر وظلت سياطه تمزق ظهري .. فاستحلت انسانة تعشق ان تعيش لاعظم من الف الف عشق .. والف خفقة قلب.. رسمُ بسمةٍ على وجوه ارى على كل منها سحنات فريدة .. مرتسمة بوضوح.. والشمس تتبسم في السماء .. توحي ان الحياة جميله.. وهي تحرق كل من جاوز خط الاقتراب منها قيد انمله..

لا تعليقات

اترك رد