عندما طرقتُ الباب

 
لوحة للفنان سيد هويدي
لوحة للفنان سيد هويدي

وجه النيل رائق وساحر ، صوت محمد منير الذهبى المنبعث من السماعة المثبتة أعلى سقف المركب يشكل سيمفونية رائعة مع سحر النيل ، الجالسون جوارى معظمهم من أصحاب العمائم ، اللهجة التى يتحدثون بها أحبها كثيرا ، الكثير منهم يتحدث فى أمر السوق اليوم ، اقتربنا من الشاطىء الغربى الذى تكسوه نباتات البوص الفارسى ، توقفت المركب بعيدا عن هذه النباتات ، صخور ضخمة سوداء قفزعليها معظم الراكبين ، انتظرت مع قلة حتى مد لنا صبى المركب السقالة إلى الشاطىء ، حملت حقيبتى الصغيرة التى تحوى أوراقا وكتب خاصة ونزلت بحرص شديد على السقالة حتى وصلت الشاطىء ، الأزقة كما هى والبيوت لم تتغير ، أتذكر جيدا مكان البيت ،أزقة كثيرة تتلاقفنى حتى وصلت إلى البيت ، وجدت الباب مفتوحا عن آخره ، طرقت عليه طرقات متوالية ، خرج صبى يبدو أنه فى الثالثة عشرة من عمره ، رحب بى بعد لحظة وجوم ، سألته :

ــ بيت العم بهاء الدين ؟
ــ نعم …. اتفضل .
دخلت إلى بهو واسع حيث دكك خشبية مفروشة بمفارش مرسومة ، تركنى الصبى ودلف للداخل قائلا بصوت عال : راجل غريب يا أمى .
أتفحص ملامح الجدران المبنية من الطين الخالص والمرشوشة بلون أبيض ، السقف من جريد النخل الناشف المرصوص على مواسير حديدية بعناية شديدة ، هو نفس البيت لم يتغير فيه شيء ، أيام جميلة من طفولتى تسكن داخلى ، كنت دائم التردد مع أمى إلى هنا ، الهواء يأتينى طريا من النيل المجاور للبيت ، كثيرا ما كنا نذهب ونبنى بيوتا من الطين وأحيانا نخلع ثيابنا ونعوم فى مياهه الرائقة ، كنت سارحا فى ذكرياتى الجميلة عندما دخلت علىَّ بنقابها الأسود ، لم تظهر سوى عينيها ، استجبت لتحيتها رغم اندهاشى من النقاب ، مين ياترى ؟
ــ أنا صفاء .
ــ أهلا أهلا … فاكرانى ولا لأ ؟
صمتت لحظة ثم نطقت : نعم أنت خالد ، ياه دى مفاجأة .

ثم تبادلنا التحيات والأشواق ، سنوات عديدة لم نلتق ، حتى أننى نسيت تفاصيل ملامح وجهها ، حرمنى النقاب من رؤية هذا الوجه ، لم يبق غير صوتها والذكريات الجميلة جسرا للتواصل ، أصرت أن تعد لى طعاماً ، لكننى أقسمت لها أننى شبعان وأطمع فى كوب شاى ساخن ، تركتنى ودخلت لإعداد الشاى ، بدا لى جسدها بنفس التفاصيل المختزلة فى ذاكرتى ، كم كنت أحب هذا الجسد الرشيق الرقيق ، كثيرا ما كنا نجرى خلف الفراشات الملونة ، كنت أجعلها تجرى أمامى عن قصد ، حتى أتأمل جسدها الرشيق ، لا أنكر أننى فوجئت بارتدائها النقاب الذى صنع حاجزا بيننا حتى لم استطع السلام عليها بيدى ، يداها مازالتا خصبتين وتدلان على ليونة جسدها الأبيض ، شىءعجيب يشدنى إليها ، لكن الخاتم الذهبى الذى ترتديه فى إصبع يدها اليسرى يصنع حاجزا بيننا ، بعد لحظات عادت بكوب الشاى ، وضعته أمامى ، نادت بصوت عال :

ــ مصطفى ، تعال اتعرف على عمك .
راحت تحكى عن حياتها المثقلة ، فوجئت بما روته لى من تجارب مرت بها ، تساءلت فى داخلى ، كيف لهذا القلب الجميل الرقيق أن يتحمل كل هذا الألم ؟ امتد بنا الحديث لفترة طويلة ومازال المكان ساحراً ورائعاً كحديثها تماما ، بعد هذا الحديث الممتع الشجى شعرت أن قلبى يرقص طربا ، إذن هى الآن تعيش بدون زوج ، تمنيت لو ترفع هذا النقاب الحاجز ، شربت الشاى ، أهديتها نسخة من مجموعتى القصصية الأخيرة ، فرحت بها وقالت : كنت أظن أنك نسيت موضوع الكتابة .
تبادلنا أرقام الهواتف على أمل التواصل ، ودعتها وأنا أشتاق لهذا المكان بكل تفاصيله ، شموخ النخيل يبهرنى ورائحة المانجو تعبق المكان ، أصرت أن يصحبنى مصطفى حتى شاطىء النيل ، ركبت المركب ، طيور ملونة تسبح حولنا سعيدة ، عندما تحركت المركب نحو الشاطىء الشرقى تملكنى شعور ممزوج بحالة من الشجن ، قبل أن أصل إلى بيتى رن هاتفى ، أخرجته ، جاءنى صوتها ناعماً رقيقاً ، كانت تطمئن على وصولى إلى بيتى سالما ، شكرتها على نبل مشاعرها ، بعدها شعرت بشىء دافىء يسرى فى جسدى ويمنحنى حالة من المتعة الجميلة ، كلما خلوت بنفسى أشتاق إليها وإلى روحها الساحرة وإلى أيام جميلة راحت وربما تعود مرة أخرى يوما ما ….

لا تعليقات

اترك رد