هل زيارة أردوغان للسعودية نجحت في صيانة مصالح تركيا في دول الخليج؟


 

أعتقد أن حركة الإخوان ( شهوة للتنظيم للسلطة ) النكبة الثالثة عربيا من أكبر الأخطاء التي ارتكبتها الحركة استقبال محمود أحمدي نجاد في مشيخة الأزهر يرفع إصبعي النصر للمصورين، وسبق أن وافقت الحركة على احتلال صدام حسين للكويت بعد فشل وساطتها، ولم يتنبه الخليجيون الذين حملوا الوهم بادعاء الوكالة عن الإسلام وليس من حقها أن تلصق ذلك الوهم بالدين الإسلامي، ولم تكترث لتصريح الأمير نايف رحمه الله عندما صرح في عام 2002 ( لقد عضوا اليد التي امتدت إليهم بالإحسان ) ولم يكترثوا أيضا بأن الحركة في الحقيقة لا تعترف ولا تؤمن بوجود الكيانات الصغيرة في الخليج، بل إنها ترى في دول الخليج مشيخات يجب أن ترحل متى ما تحين الفرصة، بعدما مكنوا في الخليج خصوصا في سلك التعليم وتمكنوا إثر هذا التمكين من خلط الإسلام الشعبي بالحركي واستطاع النظام الحركي أن يفرخ عددا من التنظيمات تمزج الحلم بالوهم خصوصا وأن دول الخليج مصدر مهم للتمويل.

الأزمة مع قطر هي أزمة كاشفة وتمثل النكبة الثالثة للإخوان، وهي مرحلة وقف المتاجرة بالدين، وعدم ترك هذا الدين للواهمين ولتجار الفتوى التي تمثل فوضى دينية تمد حتى المليشيات بالفتوى عند الطلب.

المقاطعة لقطر ليست فقط حفاظا وصونا للدين الحنيف بل وأيضا حفاظا على الانجازات والمكتسبات الخليجية وفتح الباب لمنافذ سياسية مدنية حديثة لاستيعاب طموحات الشباب الذين يملكون أعلى درجات العلم من الانخراط في التنمية الشاملة، خصوصا من فئة الشباب الجدد الذين يؤمنون بأن الخلافة لم تعد واجبا مقدسا، ولم يعد التاريخ ولا الواقع الاجتماعي والسياسي يحتمل محاولات الواهمين والذين فقط يستخدمون الإسلام في الوصول إلى السلطة لصالح جماعة عالمية تتخذ من دول الخليج كممول ومن أردوغان فقط خليفة المسلمين بعدما انهارت دولتهم في مصر على يد ثورة شعبية بدعم جيش وطني.

أعتقد أن الإخوان لم يعولوا كثيرا على أمريكا في هذه الأزمة بعدما كانت في الفترة الماضية تعتبرهم يمثلون الإسلام المعتدل وأنهم قادرون على مواجهة الإرهاب، ويبدو أنهم لم يفهموا السياق التاريخي والسياسي ويمكن أنهم انخدعوا بأمريكا بأنها يمكن ان تسندهم مما أوقعهم في كارثة فض انتفاضة رابعة على يد السلطات المصرية التي تعتبر بالنسبة لهم الكارثة الثانية.

كيف يحارب أردوغان التنظيم السري لفتح الله غولن ويرفض أن يعيق تجربة تركيا الحديثة، ويقبل بتنظيم سري لجماعة الإخوان يضرب الدول العربية هي بمثابة ازدواجية لا يمكن أن يقبلها العرب، ولم يعد تنفيذ سيناريو الربيع العربي الذي تحول إلى شتاء عربي وتقوده قطر وتركيا من أجل تمكين تيار الإسلام السياسي في إعادة الإخوان إلى السلطة مرة أخرى في مصر.

التحالف العربي السعودي المصري اتخذ قراره ولم يعد هناك أي محاولة لقبول تنظيمات تضرب الأمن العربي، وأصبح هناك واقع جديد لجناحي الأمة العربية الذي استطاع هذا التحالف امتصاص قانون جاستا الذي كان نتيجة حركة إعلامية غربية مدعومة بأموال عربية خليجية للاستيلاء على سندات سعودية تقدر بنحو 750 مليار دولار تستثمر في الخزينة الأمريكية في ذلك الوقت من خلال أحكام تعويضات لعائلات ضحايا حادث مركز التجارة المعروفة إعلاميا بأحداث 11 سبتمبر، ليس هذا فحسب ولكن هناك تساؤلات من وراء الحركة الإعلامية الغربية بذريعة أن التحالف العربي الذي تقوده السعودية بأنها ارتكبت مجازر بحق الشعب اليمني واستخدام قنابل عنقودية المحرمة دوليا أي أن تلك المحاولات كانت في إلصاق تهمة الإرهاب بالمملكة العربية السعودية بدلا من إيران التي تسرح وتمرح في المنطقة العربية.

أزمة تركيا مع ألمانيا تلقي بظلالها على الحوار التركي – الأوربي بعد احتجاز ناشطي حقوق الإنسان في تركيا أحدهم ألماني، لذلك تركيا قلقة من خسارة مصالحها في دول الخليج بعدما انحازت إلى قطر واعتبرت مطالب الدول الأربعة بأنها غير قانونية، وطلبت السعودية منها التزام الحياد، لذلك لم تكن زيارة أردوغان إلى السعودية /23/7 2017 بأن يجد مساحة تذكر للتحرك كوسيط في الأزمة بل ولم يعط فرصة للحديث حول ذلك الموضوع باعتبار أن تركيا طرفا في الأزمة.

وقبل الزيارة صرح أردوغان بأن الحاجة إلى تضامن إسلامي وكأنه قلق من التحالف الجديد بين جناحي الأمة العربية السعودية ومصر، لكن أردوغان هو الذي أضاع فرصة التضامن الإسلامي حينما حاول الملك سلمان في ترتيب علاقة بين تركيا ومصر، لكن اللغة الاستعلائية لأردوغان منعته من تحقيق رؤية الملك سلمان، كما أن التحالف العربي الجديد بين السعودية ومصر لن يكون على حساب التضامن الإسلامي بل هو جزء منه ولكنه لن يكون وفق أهواء خاصة.

لذلك تأتي زيارة أردوغان للسعودية في ظل صيانة العلاقات والتي أتت بعد زيارات وجهود دبلوماسية حدثت قبل تلك الزيارة عقدت محادثات رفيعة المستوى من أجل احتواء انحياز تركيا لقطر بعدما سعى أردوغان إلى تطوير العلاقات مع السعودية في السنوات الأخيرة، لذلك اصطحب معه رئيس الأركان التركي الجنرال خلوصي من أجل إقناع السعودية بأن القاعدة التركية في قطر تتكامل مع القاعدة الأمريكية وهما أعضاء في حلف الناتو وهناك خيارات تقدمها تركيا للسعودية.

بالفعل لم تخرج الزيارة سوى عن مناقشة مكافحة الإرهاب والعلاقات الثنائية ودعم جهود وساطة دولة الكويت، خصوصا وأن تركيا لديها علاقات تجارية مع دول الخليج حيث احتلت الإمارات المركز السابع عام 2016 من بين أكبر الأسواق التي تستقبل صادرات السلع التركية بنحو 5.4 مليار دولار، فيما تحتل السعودية المركز الحادي عشر في تلك القائمة ومصر الثالث عشر، كما تريد تركيا بيع معدات عتاد دفاعي للسعودية.

قطر ليست شريكا تجاريا كبيرا لتركيا إلا أن لها أهمية استراتيجية لعدة أسباب منها تأسيس أنقرة قاعدة عسكرية هناك بعد اتفاق وقع في 2014 كما تربط الدولتين صلات أيديولوجية وهي التي تسببت في هذه الأزمة إذ طالبت الدول الأربع بوقف دعم جماعة الإخوان المسلمين التي تعتبرها دول الخليج تهديدا لها ولمصر.

التحالف العربي السعودي المصري بدأ يعيد العراق إلى حاضنته العربية وسحبه من الحاضنة الإيرانية، هناك زيارة لوزير الخارجية المصري سامح شكري إلى بغداد لدعم بغداد ضد أي تدخل تركي في العراق وتوحيد الجهود لمكافحة الإرهاب، التي أعقبها زيارة وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي إلى السعودية بدعوة خاصة من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ووزير الداخلية خصوصا بعد تحرير الموصل من داعش، لكن في ظل الدمار الكبير العراق في حاجة إلى تعاون أشقائه ودعم العبادي خصوصا في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها العراق بعد تحرير الموصل وإنقاذ العراق من التربص الإيراني وفتح الحدود بين البلدين.

أبدت السعودية استعدادها لفتح آفاق التعاون البناء مع العراق بكل الميادين وتأتي هذه الخطوة بعد فتح السفارة السعودية في بغداد في 2015 بعد ربع قرن من إغلاقها في عام 1990 إثر غزو القوات العراقية الكويت، هذه الخطوات تخفف من ابتعاد العراق عن محيطه العربي لسنوات طويلة وأن تسحبه من الحاضنة الإيرانية التي تغلغلت في

كل مفاصيل البلاد الاقتصادية والسياسية والأمنية خصوصا وأن العراق بحاجة في هذه الفترة إلى جهود كبيرة في عملية الإعمار التي لا يبدو أن إيران قادرة على تولي تلك المهمة بسبب أنها تعاني من أزمة اقتصادية وهي تكتفي بتمويل المليشيات التابعة لها، وإن كان حاول العبادي أن يظهر بمظهر المحايد بين القوتين الإقليميتين السعودية وإيران فأرسل وزير الدفاع حسين دهقان إلى طهران لتوقيع مذكرة تفاهم تشمل مكافحة الإرهاب والتطرف وسط مخاوف أميركية من تمدد إيراني أوسع في المنطقة حيث تتسابق طهران وواشنطن لتأمين مواقع نفوذ ف يكل من سوريا والعراق.

التحالف بين جناحي الأمة العربية أقدما على افتتاح مصر أكبر قاعدة محمد نجيب العسكرية على الحدود الغربية مع ليبيا وسط حضور خليجي وعربي لافت، ولأول مرة تتحدث روسيا عن انتشار قوات عربية وروسية للفصل في غوطة دمشق بعد محادثات جرت في القاهرة بين ممثلين عنها وبين المعارضة المعتدلة بوساطة مصرية أثمرت اتفاقا حول آليات تنفيذ الهدنة، وبدأت أثيوبيا تطمئن شركاء حوض النيل بشأن أهداف سد النهضة، وبدأت جهود السعودية تؤتي ثمارها في محاولة رفع العقوبات عن السودان، ما جعل الولايات المتحدة تثني على جهود السودان في مكافحة الإرهاب، كما أن المقاطعة مع قطر أثمرت أيضا عن خروج معظم قادة حماس من العاصمة القطرية الدوحة وتوزعوا في بلدان مختلفة، وتبحث حماس عن موطئ قدم في الجزائر، وبدأت حماس تمد يدها لعباس وتشترط تنفيذ الاتفاقيات السابقة لإنهاء الانقسام.

وفي نفس السياق بعدما كانت تركيا ترفض التنسيق والتواصل مع مصر قبل سفر أردوغان للسعودية من أجل صيانة العلاقات التركية السعودية أجرى وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في 23/7/2017 مع وزير الخارجية المصري سامح شكري لبحث التطورات الأخيرة في المسجد الأقصى وهي خطوة سبق أن طالب بها الملك سلمان تركيا التواصل مع دولة مصر والتوقف عن تهديد أمنها عبر استضافة قادة من جماعة الإخوان المناهضة للحكومة المصرية بعد الثورة الشعبية عام 2013 ضد حكم جماعة الإخوان، رغم أن الدول الأربع بعد زيارة أردوغان للسعودية والكويت وقطر ترفض أي حلول وسط مع الدوحة وهو الرد على أردوغان وأن الأمر غير قابل للحول الوسط مع أي شكل من أشكال الإرهاب.

ولأول مرة ترعى مصر خفض التصعيد في سوريا بضمانة روسية في الغوطة الشرقية لدمشق التي أتت بعد الإعلان عن هدنة الجنوب بين أميركا وروسيا والأردن في 9/7/2017 وهما اتفاقين فيهما دولتين عربيتين بعدما كان اتفاق الاستانة بين روسيا

وتركيا وإيران، بل إن هذين الاتفاقين يعترف بشرعية مجالس محلية للمعارضة واتفاق القاهرة حقق مطلب المعارضة السورية بضم الغوطة الشرقية لدمشق لاتفاق الجنوب ويشمل الاتفاق منع العمليات الهجومية بما في ذلك من تنظيمات تدعمها إيران.

هناك حرص على الدور العربي في اتفاقات خفض التصعيد على عكس اتفاق استانة والذي قد يمهد لنشر جنود مصريين والتي تركز على ضرورة توقف سفك الدماء ومرجعية الحل الشامل في سوريا المبني على القرارات الدولية سيما بيان جنيف وقرار مجلس الأمن رقم 2118 والقرار رقم 2254 واتفاقية أنقرة لوقف إطلاق النار في 30 ديسمبر 2016 واتفاق مناطق خفض التصعيد والتي ستشمل أيضا إدلب وهناك التزام بانسحاب المليشيات الأجنبية تدريجيا من كافة سوريا التي تحمل شعارات طائفية تخالف الهوية الوطنية السورية ومحاسبة من ارتكب الجرائم منهم وألا يكون لهم دور في حفظ أمن البلاد ومستقبلها.

لأن وجود المليشيات الأجنبية يدفع إلى اقتتال طائفي وحزبي وهو ما نجد انقسام سرايا أهل الشام وهو فصيل تابع للجيش السوري الحر في جرود عرسال بين مؤيد بالقتال وباحث عن تسوية فيما أن قسما منهم انضم إلى للقتال إلى جانب جبهة النصرة في الجرود ضد حزب الله فيما اختار الباقون التوقيع على هدنة تقضي برحيلهم إلى الشمال السوري أو إلى بلداتهم في القلمون الغربي في سوريا إذا استجاب لهم النظام السوري لشروطهم.

التضامن العربي أوقف الهوس التركي في سوريا اسمه المسألة الكردية التي تعتبرها أنقرة أساسية لا بل وجودية وهي المحرك الأول لسياساتها في سوريا وهدف أنقرة منع قيام دولة كردية مستقلة أو حتى منطقة تتمتع بإدارة ذاتية على غرار كردستان العراق، وأن إطلاق درع الفرات في 24 أغسطس 2016 لم يكن لتنظيف المنطقة من داعش ولكن كان الهدف من مليشيات الحزب الديمقراطي الكردي الذي تعتبره أنقرة الاسم الآخر لحزب العمال الكردي، ولن تسمح أمريكا ولا روسيا بأن تنخرط تركيا في حملة عسكرية في منطقة عفرين وشمال حلب شبيهة بدرع الفرات لتلافي مزيد من تعقيد الأزمة السورية.

وحاول أردوغان التفاهم مع بوتين من أجل خفض الدعم الروسي للأكراد مقابل أن تسحب أنقرة الجزء الأكبر من قواتها مقابل إدخال تركيا في اللعبة السورية في استانة وما شهدته من تفاهمات وأهمها وقف إطلاق النار وإيجاد مناطق خفض للنزاع يكون

لتركيا دور فيها، لكن دخول التضامن العربي الأردن ومصر أضعف الدورين التركي والإيراني في سوريا وهو يعتبر تحول حقيقي في القضية السورية.

أتقنت السياسة السعودية فهم السياسة الأمريكية فيما لم يتمكن أردوغان في فهم السياسة الأمريكية وتقلباتها رغم أن أنقرة لن تغامر بتدهور علاقاتها لا مع أمريكا ولا مع السعودية، حيث هناك دينامية جديدة تقودها السعودية ومصر والأردن بعدما فشلت المقاربة التركية القائمة على محاربة حزب العمال القائمة على محاربته أمنيا وعسكريا، وترى السعودية أن الأفضل لتركيا العودة إلى مقاربة سياسية واستعادة الاتصالات التي كانت قائمة بين الطرفين قبل اشتعال الحرب بينهما في صيف 2015.

ومن ناحية أخرى فوتت السعودية على أردوغان أن يبحث عن نقطة ارتكاز في منطقة الخليج في الدوحة والذي جعل من الدوحة تبحث عن شركاء للاستقواء بهم ضد دول الخليج والمنطقة العربية خصوصا وأن كليهما يجمع بينهما دعم جماعة الإخوان المسلمين، ولم يستجب أردوغان لمحاولات الملك سلمان بوقف دعم الإخوان ضد مصر ولكن بعد تردد قرر أردوغان عدم الاستجابة للملك سلمان ولحكمته وقرر أن يقف إلى جانب الإخوان أكان ذلك في مصر أو تونس أو سوريا أو ليبيا أو اليمن واعتبر هذا الخيار بأنه خيار استراتيجي.

كسب الملك سلمان الرهان وخسر أردوغان الرهان بسبب افتقاره إلى رؤية سياسية واقعية ولولا إسراعه إلى زيارة السعودية التي أتت بعد محاولات وزيارات مكثفة حتى وافقت السعودية على تلك الزيارة بعد تلقي أردوغان ضربات سياسية بسبب أنه يكون قد ارتكب أخطاء سياسية تكتيكية واستراتيجية يدفع ثمنها مباشرة بسبب أن تركيا انتقلت من صفر مشكلات مع الجيران إلى واقع صفر جيران من غير مشكلات نتيجة اتخاذ قرار استراتيجي بدعم إخوان المنطقة.

فهل زيارة أردوغان للسعودية أنقذته وأخرجته من أزمات متلاحقة في الداخل وعلاقات متوترة مع الخارج بما فيها بلدان الاتحاد الأوربي حيث يبدو الانضمام إليه من المستحيلات مما جعل الحلم التركي يتبدد؟.

لا تعليقات

اترك رد