العرب وإسرائيل .. آداب الإختلاف والإنتصار

 

الشعوب العاطفية هي الشعوب الوحيدة التى تدافع عن قضاياها بالصراخ والعويل والبكاء دون أن تنتج واقعا يصب في صالحها، والشعوب المتخلفة هي الشعوب الوحيدة التى ترى في الآخر المختلف عدوا يريد النيل منها وتدميرها وتشتيت أفرادها. بينما الشعوب المتفوقة تفرض واقعها على الجميع وتصنع المستحيل كي تنجح في إثبات وجودها وكسب احترام المجتمع الدولي، والشعوب المتفوقة هي الوحيدة التى تفرض شروطها لأنها تملك العلم والقوة والصناعة والمال. وهذا ليس بالأمر الغريب أو المستهجن أو المعيب، بل هي صيرورة التاريخ البشري وتداول السلطة وانهيار المجتمعات كما اخبرنا العديد من فلاسفة علم الاجتماع والسياسة وعلى رأسهم العلامة ابن خلدون والمؤرخ البريطاني ارنولد توينبي والمؤرخ الامريكي ويل ديورانت.

لقد انشغل العرب مع الإسرائليين بنفس منطق مؤرخي التاريخ، فكان صراعهم يستند على العاطفة والدين والمظلومية دون أي تحديث في سبل المقاومة والمطالبات السياسية، وهذا راجع الي ما أخبرنا عنه هؤلاء الفلاسفة بأن المجتمع اذا ما امتلأ بالفساد والمحسوبيات والجهل والاستبداد، لن يكون بإمكانه المقاومة أو فرض الشروط الأساسية للمواجهة والمتمثلة في وجود نظام سياسي متمدن وقيم ومعايير أخلاقية ووجود نظام تعليمي نقدي يخلق أجيال مبدعة. فالمجتمعات العربية كانت ولا زالت مجتمعات متخلفة غير حضارية يسودها الاستبداد الديني والسياسي وتحظى الشعوب العربية بأقل الفرص والإمكانيات في مجال الحقوق والحريات والديمقراطية والمساواة ناهيك عن غياب مبدأ المواطنة والوطنية والاقتصاد الرأسمالي الحر، ومن الطبيعي بمثل هذه الأجواء والمناخات الثقافية والسياسية والاجتماعية ستكون الأمة مهزومة ولا تسمع لها سوى النحيب والصراخ على ماضيهم الذي صنعوه وفق تبدلات التاريخ والأمم.

ما حدث مؤخرا في اسرائيل من مواجهات، للأسف لم تكن علمية بمحافل دولية ولا تنافسية في مجال الصناعة والاختراع، بل في إشعال حمامات الدم وفرض القوة عبر شعارات الصلاة والموت والسكاكين، هو استمرار للعقلية العربية البدائية في مواجهة دولة متفوقة وقوية .. فالقتل المجاني واستثمار المسجد الأقصى بشكل ديني ماهو الا ضعف وليس قوة، وعبثية وليس انتصار، وخوف وليس إقدام. فلم يشهد التاريخ القديم والحديث ان أمة أنتصرت وأسست دولة حديثة برفع الشعارات دون عمل أو بقيامها بأداء طقوسها الدينية.

فهل من المعقول ان يعتبر العرب والمسلمين أن إزالة الحواجز حول الأقصى هو انتصار؟؟. رغم ان اسرائيل استبدلت تلك الحواجز بمنظومات أمنية أكثر تقنية للمراقبة؟؟..وهل وصل الحال بهذه الأمة التعيسة أن تعتبر ان الصلاة في المسجد الأقصى يسقط عنها مبادئ التقدم والمقاومة؟؟.. لا شك أن ما يملكه العرب ليس بالكثير ولا الدائم، ولكن بالمقابل عليهم في سبيل الإنتصار أن يكونوا أكثر شجاعة في الإعتراف بأخطاءهم والعمل وفق وضمن أسس حداثية بعيدة عن المتاجرة الدينية والشعارات الوطنية الزائفة وأن يعتمدوا على أنفسهم وإمكانياتهم، فالأنظمة العربية والإسلامية لا يهمها تحرير فلسطين. فالقضية الفلسطينية تمت المتاجرة بها حتى فرخت أحزابا سياسية ودينية تهدد العرب لا اسرائيل، وعروشا لا تسقط، وأموالا لا تنضب، صبت كلها في خزينة الحكام ورجال الدين بينما الشعب الفلسطيني يعاني الأمرين ويقتات على مساعدات اسرائيل والدول الخليجية.

لقد تشبعت الشعوب العربية بمرارة الهزيمة وفشل التقدم وبقاء الهيمنة الدينية والسياسية جاثمة على رقابهم، فلم يبقي لديهم إلا خلق العدو الدائم كما يقدمه الإسلام في صورة النصارى واليهود ليتم تجييش العامة ضد هذا العدو الذي نزل من السماء لمصلحة الحكام العرب في تهديد شعوبهم بالاستعداد والمواجهة وهزيمة إسرائيل.. لكن الواقع يختلف تمامًا، فإسرائيل استطاعت تحقيق العديد الإنجازات، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو التكنولوجي، فقد اهتموا ومنذ نشوء دولتهم

بالإنسان والمواطن وتعزيز الهوية الإسرائيلية مستغلين ضعف العرب وتشتتهم وتصارعهم منذ سنين طويلة حول الحكم والخلافة، وهكذا استمرت إسرائيل وقويت شوكتها واستطاعت الثبات وصنع التحالفات السياسية مع أقوى الدول وأعمقها سياسيًا واقتصاديًا.

إن آداب الإنتصار على اسرائيل تفرض علينا اليوم ضرورة تحريك محادثات السلام والعمل بشكل جدي للضغط على الأنظمة العربية والسلطة الفلسطينية في ضرورة مواصلة الحوار وتقديم رؤية مشتركة تدفع إلى تحقيق العدالة لكلا الطرفين، فالشعوب اليوم لم تعد مغفلة أو غير واعية لما حولها، بل تفهم تمامًا الفرق بين إسرائيل كقوة اقتصادية وعلمية وديمقراطية تحاكم المفسدين، وبين مجتمعاتهم التي يلفها الفساد والديكتاتورية والظلم. فهل سوف نكتفي من قصة هذا الصراع الطويل جدًا مع إسرائيل، بعد ان دفعنا من دماؤنا وأموالنا ومواردنا وثرواتنا فواتير لحروب لم تقع، وأموال باهظة نهبت وصرفت في طرق غير مشروعة من أموال يفترض أن تكون للشعوب العربية ورفاههم وكل هذا باسم مواجهة العدو وهزيمته.. هذا الواقع اليوم يحتم على كل القوى والتيارات والنخب الحية الفاعلة في التيارات الوطنية والحداثية وحتى السياسية الحاكمة أن لا يتناسوا أبداً حاجتهم الملحة، ليس لتجييش العامة ضد إسرائيل، وإنما لإعادة التوجه للتنمية داخل بلدانهم بما يسمح لهم بإعادة النظر في أسس مجتمعاتهم السياسية والمدنية التي أصابها العطب والفساد والترهل والاستبداد في الصميم نتيجة لتاريخ طويل من تفشي القهر والإستبداد والظلم في كل مواقعها وامتداداتها، فأصبحت تعاني من القصور والشلل والتطرف. وبعد أن ننتهي من بناء مجتمعاتنا وتنمية الإنسان، يمكننا الحديث عن هزيمة إسرائيل.

1 تعليقك

اترك رد