ماء و زيت

 

ان وضعنا ماء و زيت في وعاء واحد، سوف لن يختلطا لأسباب كيميائية تحول من دون ذلك. و حتى و لو انتظرت لمدة طويلة فلن يتغير هذا الوضع، و كذلك الحال في مجتمعنا العربي، حيث أن المفكرين و الغير مفكرين يعيشون داخل حدود الدولة نفسها و لكنهم لا يختلطون ابدا.

ولكن ما اهمية هذا؟ فهذا هو حال شعوب العالم كلها.

في الواقع هذا كلام غير صحيح، ظاهرة الماء و الزيت موجودة فقط في الدول المتأخرة، بينما هي اقل في الدول المتقدمة حيث يظهر الاختلاط اكثر بين الأفراد المفكرين و الغير مفكرين. في الدول المتقدمة لا يكون بالضرورة الكل مثقف و لديه شهادة جامعية وانما يكفي أن يكون اغلب الأفراد مثقفين في ما يتعلق بتلقي المعرفة، فعلى سبيل المثال حتى و لو لم يكن الشخص باحث في علوم الاحياء و لكنه لديه الرغبة في صرف ساعة كاملة لمشاهدة فيلم وثائقي عن آخر ما توصل له العلماء في هذا المجال. و بالجهة المقابلة، فالمثقف في الدول المتقدمة لا يستنكف من الاختلاط مع غير المثقف و التحاور مطولا لأقناعه بفكرة معينة.

بهذا لا اود أن اقول “انظروا إلى الغرب المتحضر” و إنما أود أن اشير إلى النموذج الناجح و الفعال، فتبادل المعرفة هو الأساس في بناء مجتمع قوي.

اهمية الاختلاط تكمن في تبادل المعرفة و المشاكل، فالغير مفكر يحتاج إلى حلول ناجعة اما المفكر فيحتاج إلى معرفة المشاكل المهمة في المجتمع.

تعالوا فلننظر إلى عالمنا العربي، فهنا نجد ثلة كبيرة من المجتمع امية، لا تحسن القراءة و الكتابة. و هناك ثلة تتعثر في القراءة و أن فتشت في بيوتهم فلن تجد قلم او كتاب. و هناك ثلة متعلمة و لكنها تجري وراء لقمة العيش.

و بالمقابل نجد ثلة لا بأس بها من المثقفين الثقال الوزن و الذين يمتلكون عقول جبارة ولكنهم وجدوا في دول و مجتمعات يكونون فيها غرباء.

و مع مرور الوقت يفقد هؤلاء المفكرين اهتمامهم بمجتمعهم ليبتعدوا اما عن طريق الهجرة أو الانعزال. و هذا أن لم يصطدموا بأحد الأصنام التي نعبدها و نقدسها.

نحن نعيش في بلد واحد لكننا مثل الماء و الزيت، لا نختلط ابدا، و لا نتعلم من بعضنا، و على هذا فلا يمكن للنهوض بالمجتمع لأننا لسنا متكاتفين أصلا.

أنا لست من الذين يندبون حضهم العاثر و إنما أتكلم فقط عندما يكون لي رأي للحل. و رأي هنا هو أننا يجب أن نحل هذه المعضلة، ليس عن طريق الهروب و انما عن طريق المواجهة للوهم الذي نخلقه و نعززه لأنفسنا، نحن لا يجب علينا البتة أن نعزز ظاهرة “الماء و الزيت” و إنما يجب أن نذهب إلى بعضنا فكريا، فلا ضير في الحديث الفلسفي في جلسة لا يكون فيها الكثيرين من سمعوا باسم افلاطون، و لو نظرت مليا فسوف ترى أن التنوير لا نحصل عليه في المدرسة.

ما أود أن أقوله في هذا المقال هو أننا لا نحتاج إلا الى تفعيل عقولنا لننهض بمجتمعنا، فنحن لا نحتاج الى الذهاب الى الافق لنجد الشمس لأنها تشرق في داخلنا، فلا نحجبها بجهلنا.

لا تعليقات

اترك رد