احزان في الباسفيك – ج4


 

طوال الوقت الذي جلست فيه بهارة بجانبي عند مقدمة الزورق، لم اتمكن من فعل شيئين، لم اتحدث اليها وكنت ادعو الله ان لاتتحدث اليَّ، وايضا لم التفت بوجهي نحوها حتى اني تصرفت وكأن لا وجود لها، مع اني كنت اتمنى ان اتمتع بجمال وجهها بمثل هذا القرب، وان اشم انفاسها وان انظر الى عينيها بعمق، غير ان الذي كان يمنعني هؤلاء الشباب الذين تركوا كل شيء وراحوا يركزون انظارهم نحونا، بعضهم مستمتع بما يرى ويتمنى ان يكون مكاني وبعضهم حاسد يستكثر عليَّ ذلك، وبعضهم يكاد يُجَن، وهم مجموعة من الشباب الايرانيين، وكنت المس هذا الجنون من خلال نظراتهم الحاقدة، حتى ان احدهم اقترب منا بحجة تقديم الشاي وراح يتحدث اليها بالفارسية كي لا افهم ما يقصد، فلم تلتفت اليه وهي تنظر الى الافاق ولم تجبه وانما حركت يدها باشارة كانها تقول له: ابتعد ولا تتدخل فيما لايعنيك.. وحين عاد الى رفاقة كان الحديث بينهم متشنجا رغم انه كان هامسا في بعض اجزاءه..

كنت على يقين ان لا احد من رفاق الزورق يعرف حقيقة مشاعري تجاه بهاره وامها، فانا لازلت لا اعرف بالضبط اي منهما يمكنها ان تكون فريستي، ولا احد يعرف النار التي تشتعل بين ضلوعي، فلم ابح باية كلمة حتى لنفسي، وكل ما كان وما جرى هو حديث بين عقلين احدهما شيطاني قذر ربما هوعقلي الباطن، مثلما لم يحدث اي تصرف او اية حركة مني او منهما توحي بشيء غير معتاد باستثناء النظرات التي لم تكن حاسمة، الا اذا كان رفاق الزورق قد فسروا رعايتي لهما بغير اطارها، او فسروا اقتراب بهارة مني بهذا الشكل المثير كما اشعر به، عدا ذلك فانا مثل صخرة هامدة يصعب تحريكها، كان تشنج الايرانيين ازاء وجودها قربي وملامسة جسدها لجسدي واضحا، كنت افسر ذلك على انه غيرة بدافع الهوية والانتماء ، فكلنا كبشر نتمسك بهويتنا ازاء الاخرين، ونحاول الدفاع عنها حين تتعرض لتهديد ما سواء بالسلوك او بالكلمات، وربما اعتبر الايرانيون سلوك بهارة اهانة لشخصيتهم وكبريائهم، وكنت ادرك انها لو كانت عراقية او عربية لانتابني نفس الشعور وانا ارى عيون الافغان والايرانيين تحدق بها مثلما تحدق الان عيون الجميع ببهارة، مشاعر الــــ ( نحن وهم) طبيعية عند البشر، غير انها بيننا عربا وفرسا قضية اخرى، شائكة الى حد ان عقلنا لايتمكن التخفيف من حدتها فقد بني اساسا عليها، مع اننا كمجموعة مهاجرين خلال الايام الماضية لم يكن اي منا يشعر بـالــــ ( نحن) و (هم) فقد جعلتنا المشتركات الكثيرة اشبه بفريق واحد، والمواقف التي مررنا بها لم تعط ايا منا فرصة التفكير باختلافاتنا بقدر ما دفعتني لان اكون قائدا فعليا لهم ودفعتهم للقبول والارتياح لوجودي بينهم، حتى اني اشعر بين حين واخر اني كأي قرصان كانت تكفيه اشارة من يده ليتحرك الجميع او يتوقف، لقد تجلت طاعة الجميع لي في الكثير من المآزق التي وقعنا فيها منذ هروبنا من كوالالامبور في ماليزيا وعبورنا مضيق ملقا باتجاه جزيرة سومطرة مرورا بهروبنا من سجن مدينة ( مكسار ) الاندنوسية ثم احتجازنا في جزيرة بالي لساعات ثم التجمع مرة اخرى قبل انطلاق الزورق نحو استراليا، كان الجميع يشعر انهم مدينين لي بالكثير لاني تمكنت بمساعدة الحظ وبحسن التصرف احيانا من تهريبهم من السجن وتجاوز الكثير من العقبات الاخرى، فحظيت باحترامهم ومحبتهم وطاعتهم، الا ان بهارة وملابسها الفاضحة وتصرفاتها المتحررة بعد انطلاق الزورق، اثارت لدى الايرانيين مشاعر تهديد شرف الهوية الفارسية التي يرون انها تخدشها امامهم، الـــــ ( نحن وهم ) تؤثر بشكل غريب احيانا في الاوقات الحرجة على العقل والمشاعر، وانا ارى نفسي مجبرا على الاحساس والتفكير هكذا ، فقضية الهوية والانتماء هي واحدة من الاسرار الكبرى التي قوضت حياتنا وحريتنا خاصة كعرب، وكلما كنت ابحث عن الاسباب يوم بدأ الصراع الطائفي الذي دفعني للهروب من بلدي لم اجد سوى الفراغ، فنحن لا نملك اساسا سوى هذه الهوية، لاشيء آخر يمكن ان نعتد به امام انفسنا وامام الاخرين سواها، ولكنها للاسف توقفت عند محطات قديمة، حتى ان اي عربي حين يسأل: من انت؟ لايجد شيئا سوى ماضيه وتراثه، لاشيء جديد، وبدت مسالة الهوية عندنا معكوسة تماما، فبدل ان نطل نحن على الماضي، راح هو من يطل علينا ويراقبنا الى حد انه اعتقل عقولنا ورسم بدراية وحنكة سلوكنا فجعلنا ندور حوله وحول انفسنا في دائرة ضيقة لا تتعدى الصراعات والخيانات والمؤامرات، ولم نعد نعتد بومضات لامعة من تاريخنا، بقدر ما نستذكر ونكرر فشلنا وخياناتنا، واصبحت تلك الخيانات مقياسا ونموذجا لعصرنا، كان بودي دائما ان اسأل من يعترضني رافعا السلاح بوجهي حين كنت في بغداد: من أنت؟.. ولكن كل الاجابات المحتملة لم تكن سوى فراغ مغطى بكثير من الهستيريا والغضب والعدوانية، حتى تاكدت في ما بعد، ان سؤالي هذا فارغا من معناه اساسا، فكلنا في العراق تحولنا بين ليلة وضحاها الى ضحايا وجناة، كان الجميع يطارد الجميع، وفي نقاط التفتيش التي نصبتها العصابات والميليشيات المسلحة على الجسور وفي شوارع كثيرة في بغداد ومحافظات اخرى، كنا نقتل بعضنا بسبب اسمائنا، قتل اشخاص يحملون اسماءا مثل علي وحسين كما قتل اخرون يحملون اسماء مثل عمر وابا بكر، اما محمد فقد بقي مجهولا ومطاردا من الجميع، لقد صنعنا هويات جديدة قديمة خسرنا فيها كل شيء، فلم نعد عراقيين ولم نعد مسلمين، بل اصبحنا كافرين وهلامييين بعد ان كفر كل منا الاخر دون استثناء، ولم يعد ثمة فرصة للحديث عن عراقيتنا او عروبتنا، فلقد اصبحت العروبة تهمة سنية بعثية وماعداها فارسيا بالانتماء او الهوى..اعدنا انتاج التاريخ بطريقة حديثة ومعقدة كثيرا، فلطالما كان العراق ومازال مسرحا لتصارع (الهويات القاتلة) حسب تعبير امين معلوف..

في الزورق كنا جميعا مسلمين رغم اختلاف اصولنا، وبدا تمسك الكثير منا بالدين واضحا، ادعية مستمرة يتناوب عليها الرجال والنساء بصوت يخفت حينا ويعلو حينا اخر، كما ان الصلوات على النبي لم تنقطع، اضافة الى ان بعض الايرانيين والافغان كانوا يحملون (احرزة ) اعطاها لهم مهربنا ليربطوها بخيط فيعقدون راس الخيط على جنبات الزورق ويتركون الحرز يسبح في الماء تبركا وجلبا للحظ الحسن وطلبا لرعاية الله، وحين كان احد الشباب او اي من النساء الاربع في الزورق تصدح بدعاء (كميل)، كان الجميع يصمت ويردد الصلوات او كلمات مثل (يالله – آمين) مع كل مقطع من الدعاء يتطلب ذلك، عراقيون وايرانيون وافغان وكويتيون وكل الموجودين على متن الزورق، كانوا يرددون الادعية خاشعين خائفين يطلبون رضا الله وتوفيقه، مع ان اغلب هؤلاء الشباب حين كانوا في كوالالامبور وجاكارتا كانوا يسهرون الليالي في النوادي وينهون صباحاتهم مع العاهرات، غير ان الانسان دائما يلجا الى الله عند حاجته اليه فقط او في اكثر لحظات ضعفه وازماته كما نحن الان، كان الله الواحد الاحد والاسلام يجمعنا، ولكن موقف الايرانيين من تصرفات بهارة اثبت ان هوياتنا الدينية والعرقية مراوغة، اذ اننا نلجا الى الدين احيانا والى اعراقنا احيانا اخرى، وانا كنت على يقين، لو ان الذي بجانب بهارة كان اوروبيا او اميركيا لما شعر الايرانيون بالغيرة او الاستفزاز في الاقل مثلما يشعرون به الان بسبب عربي عمره بعمر والدها لوكان على قيد الحياة، الفرس دائما ينظرون الينا باحتقار وكان ذلك يزعجني دائما، ويزعجني انهم يرون ارض العراق جزءا من املاكهم، وقليل منا من ينظر لما يجري بعد الاحتلال على انه انتقام وثأر فارسي ليس الا، وتمسك الايرانيين بالدين كان وسيلة فقط للسيطرة على الجهلاء والبؤساء، فها هو احد شعرائهم * يلقي قصيدة في مدينة همدان وداخل مؤسسة حكومية يقول فيها مخاطبا الله:

((خذني إلى أسفل السافلين أيها الإله العربي،
شريطة أن لا أجد عربياً هناك أنا لست بحاجة لجنة الفردوس
لأني وليد الحب
فجنة حور العين والغلمان هدية للعرب
أتوسل اليك يا الهي، يا رب الحب
أن تنقذ بلادي من البلاء العربي))…

حين نهضت بهارة اخيرا، وعادت الى قعر الزورق، وراحت تتحدث الى امها، شاع صمت رهيب وسكون مذهل، اختفى ضجيج محرك الزورق، وسكن المحيط، وهدأت الرياح، وشعرت اني اشبه بطائر يطير بهدوء فوق الماء، أغمضت عينيَّ ورحت استنشق لاول مرة هواء المحيط الهاديء، فاحسست باسترخاء لم احس به طيلة حياتي، تحول جسدي فجأة الى ريشة تتمايل بهدوء وتسربت تلك الطاقة الرعناء التي كانت تشدني الى كل شيء، اكتشفت لاول مرة ان حياتي لم تكن سوى معركة حتى في الهروب، معركة صاخبة طويلة وخاسرة ايضا، تمتد فصولها الى البعيد، شعرت بحاجة الى النوم فقد كانت ليلتي السابقة طويلة جدا منعتني امواج المحيط الهائجة من الاسترخاء، كما اثارني جسد بهارة الممد امامي، ولكن كيف للعيون ان تغفو وثمة فريستان تنظران اليًّ بخبث بين حين وآخر..

*من قصيدة (اله العرب) للشاعر الايراني (مصطفى بادكوبه أي)

لا تعليقات

اترك رد