الذهنية الميتافيزيقية ونماذج للألم الانساني في رواية (باب الدنيا)

 

صدرت الرواية مؤخرا عن دار النسيم للطباعة والنشر 2017، تقع في 158صفحة من القطع المتوسط،قسمت إلي ثلاثة أقسام، بكل قسم عدد من الفصول (11،8،5)علي التوالي،بعناوين ثلاثة (حدود شفافة وظل البونسيانا وطائران في عش ).

حفلت الرواية بكل أنواع الألم الانساني(عضويا ونفسيا وروحيا )،مبعثها تحولات ذهنية ميتافيزيقية لشخوص الرواية الرئيسية أو الثانوية. منطلقة من منطقة مبهمة بين الواقع والخيال،عبر خطوط ثلاثة للسرد لشخصيات ثلاثة أساسية ومحورية وإن سيطر الخط الأول (خط البطل الطبيب الشاعر ابراهيم جبر ،بصفته الشخصية المركزية المحورية في العمل كله )، والخط الثاني خط فتح الله الشحات(شريك المصير وربما الوجه الآخر للبطل )، والثالث خط علياء عبد الحميد (زميلة الدراسة والناقدة والزوجة الثانية للبطل فيما بعد )،وهذه الخطوط السردية الثلاثة ليست منتظمة،وانما تتقاطع وتلتقي مع بعضها عبر لغة عذبة وشاعرية لتغطي مساحة زمنية تمتد من عمر طفولة البطل وحتي عمر 45.

تعرض بطل الرواية الدكتور ابراهيم جبر وهو في نفس الوقت شاعر حائز علي العديد من الجوائز في الشعر لألم حاد في الصدر شخص علي أنه اشتباه أو جلطة في شرايين القلب،الاصابة كانت علي آثر موت صاحب المصير المشترك وايضا لدخول علياء في نوبة من الاكتئاب الحاد.

بهذا الاستهلال يدخلنا الكاتب في اجواء الرواية ،حيث البطل يتألم، وعند الألم تبدأ الذاكرة في العمل
(لاح لي أنني في أقصي المدينة ،أمام مستشفي تعليمي ،خارج من رقاد طويل ،غير أني لا أعرف أين أتجه).
(لا أدري إن كان من جزاء موت فتح الله ،أم لخروج علياء من “جرين هايتس” في حالة من الأسي تنتابها في سبتمبر كل عام،حادثان جثما علي صدري ،فانتابني الألم .)

بعد ليلة قضاها في العناية المركزة ،منها سبع ساعات،لايدري شيئا،خرج كالعائد من الموت ،ناجيا من الوقوع من المرجيحة (الدنيا)،الخروج كان ملهما لمراجعة،ومحاكمات أشبه بمراجعات السيرة الذاتية للبطل التي امتدت زمنيا من عمر الطفولة وحتي تخطيه عمر الشباب وبدء عمر الحكمة والتأمل (45عام)،حيث تأويلات الحياة والموت والقدر والصدفة بل وماهية الوجود ذاته .
ابتدأ الراوي الحكاية من هذه اللحظة،بطريقة الفلاش باك،لتسير خطوط السرد الثلاثة بطريقة غير منتظمة ذهابا وعودة لتتقاطع مع بعضها البعض ليشكل هذا الثالوث (ابراهيم -فتح الله-علياء )،متن الرواية وسر الوجود لدي البطل فهما له بمثابة الروح والوجدان.
وحيث ظل البونسيانا ،هو المرفأ ،وأريكة الراحة والحنان،كان الاستظلال بها هو مكان تنشيط الذاكرة والتأمل (في ظل البونسيانا تري الأمور المبعثرة مترابطة ، والمعقدة بسيطة ).

وعلي خطي سارتر في(وضعية الحياد )(كيفية وجود الحياة داخل الموت نفسه)، تشكلت الرواية وحمل الثالوث متن السرد علي مدي 24 فصلا تشكل فصول الأقسام الثلاثة للرواية،يتكأ علي مفاهيم ذهنية ميتافيزيقة برؤية قد تغاير ما عليه الواقع لكنها في نفس الوقت تسعي لتنسيقه ومن ثم اعادة انتاجه بصورة جميلة،رغم ما يحتويه من آلام وفواجع وتحولات سلبية وموت وفناء ،انه صراع من نوع آخر ،لا أيديولوجيات فيه ،ولا سياسة ولا تحولات اقتصادية اللهم الا شذرات في تحولات بعض الاماكن ذات الجمال الطبيعي الي أعمدة خرسانية ومحطات تقوية لشبكات المحمول(التي لم يتوقف السرد عندها كثيرا ).

إن عملية تنسيق هذا الواقع المؤلم واعادة انتاجه علي نحو أجمل ، بغية الوصول الي حقيقة الوجود، حذا بالكاتب أن ينتقي شخصياته بعناية فائقة لتكون مهيئة لهذه الرؤية،لا يعتمد فيها علي الفلسفة العلمية ،قدر اعتماده علي الميتافيزيقا وروافدها الصدفة والقدرية وأحيانا الفانتازيا المعنية بحلم الممكن لا الكائن ،عبر دمج الواقعي باللا واقعي، والحقيقة بالحلم والخيال، وهو طرح ابداعي يعيد رؤية الواقع وتفسيره كما فعل الكاتب في فصل الرواية الأخير (التقاط الإشارة ).

معظم الشخصيات منهكة ومتألمة(عضويا ونفسيا )،بل ومأزومة ومتحولة ،تبعث علي التفكير ،وتنساق بغرابة وراء أقدارها حتي الفناء،لتصنع نوعا من التلامس الشعوري بينها وبين القارئ.

البطل علاوة علي اصابته بأزمة قلبية ،نكتشف في نهاية الرواية اصابته بسرطان البنكرياس ( أدهشني أن مستشفي علاج أورام البنكرياس التي نصحني الدكتور محمود أبو بصلة بالتوجه إليه يقع في هذه المدينة ويحمل اسمها )، وهو أيضا متأزم نفسيا جزاء مرض زوجته الأولي (أنوار )، وتعرضه للقتل جراء هذا المرض ،من رفعها سكين المطبخ عليه ، وهو أيضا الأب الحزين لمرض ابنتاه (التوحد وتسارع نبضات القلب ). لم تسلم زوجته الثانية (علياء عبد الحميد) من المرض، وهي الزميلة الجامعية التي أعادتها الصدفة وحدها لحياة البطل، وهي نفسها الناقدة التي مجددت وتغنت بديوانه (طائران في عش ) وكأنما كتب فيها ولها ،ثم تحولت الصداقة إلي زيجة،كانت تعاني من نوبات اكتئابية حادة ،تدمر النفس ،علاوة علي معاناتها السابقة من الوحدة والفراغ قبل الزواج به.

وتبزغ شخصية (فتح الله الشحات ) في كل فصول الرواية وهي كظل البطل وصاحبة (المصير المشترك )، تبدوا وكأنها الوجه الآخر للبطل من واقعة الميلاد (المشكوك فيها) حيث تتجه التكهنات أكثر نحو اشتراكهما في أم واحدة هي (العمة زمزم )، فهو مصاب بداء ميتافيزيقي مزمن له حدود شفافة فيما يراه ويستشرفه مستقبليا ،وهو كالبطل يعاني من علاقة مأزومة ومؤلمة مع زوجته (عفاف ) ،ولأسباب كثيرة يفشل في الانفصال عنها، وفي نفس الوقت يحب (هدي عبد الشفيع ) الرومانسية الصابرة ، ويتعاطف حبا مع (هالة ) التي في عمر ابنه والمريضة بالسرطان ،علاوة علي مرضه الآخير بسرطان البنكرياس الذي أودي بحياته.

حتي الشخصيات الثانوية،كالعو وهالة والدكتور بنداري ،استقبلوا الموت فجأة وهم في عنفوان الحياة.

هل لنا أن نقول إن شخوص الرواية ،رغم وجود حدود فاصلة بينهم ،غير أنهم جميعا يساقون قدريا نحو الموت أو الألم الشديد،يستقبلونه وهم في عز توهجهم في الحياة وبعد وصولهم لليقين ،ليفنوا جميعا بأجسادهم ،وتظل أرواحهم حية؟
(عندما أموت ،سأفقد جسدي فقط ،هذا كل ما هنالك ،لا شئ آخر يمكن فقدانه ).

المقال السابقفريدة
المقال التالىكيف دمرت الرومانسية الحب
كاتب مصري عضو اتحاد الكتاب المصرين وعضو نادي القصة بالقاهرة. صدر له: الكيلو21 رواية.. دمية حائرة رواية.. كرسي سادس خال قصص قصيرة... نشرت قصصه بالعديد من الصحف والمواقع العربية منها الوطن وعمان بسلطنة عمان والمساء والاهرام بمصر....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. Avatar محمود ابوعيشة

    اعتقد انا هذه المقاربة النقدية لا تقل روعة عن الرواية نفسها هنيئا لعصام ومحمد والى مزيد

اترك رد