“الفيلوكاليا” وعشق الجمال الإلهيّ


 

“فيلوكاليا”، كلمة يونانيّة تعني محبّة الحسن والجمال. ولقد استُخدمت عند الإغريقيّين للدّلالة على تذوّق الجمال من خلال حواس الإنسان. ويعتمد تقييم الجمال على الشّعور الحسّيّ بالأشياء، كالطّبيعة واللّوحات والموسيقى… إلّا أنّه لا يقف عند هذه الحدود وإلّا فقد معناه القِيَميّ المتجرّد من المادّة. فما نراه هو انعكاس للجمال، وليس الجمال بحدّ ذاته. حين يتأمّل الإنسان لوحة، أو يصغي إلى مقطوعة موسيقيّة، أو يتحسّس جمال الطّبيعة، فهو يتلمّس ويستشعر بعضاً من الجمال الكامن فيها. فاللّوحة أو الموسيقى أو الطّبيعة ليست مبدأ الجمال وإنّما جزء منه، أو انعكاس للجمال الأعلى.

في الفكر المسيحيّ اللّاهوتيّ عنت كلمة “فيلوكاليا” محبّة حسن الله وجماله. فينحصر استشعار الجمال بمبدأ الجمال، الله، الجمال الكلّيّ. ما يجعلنا نفهم أنّ الكون بكلّ ما يحتويه من تفاصيل يفيض من الجمال المبدأ، والإنسان قيمة جماليّة تعكس صورة الجمال الأسمى.

الجمال هو محور الخلق وغايته، ويمكن القول إنّ العالم مجبول بالجمال الإلهيّ لأنّه في الأصل فاض من مبدأ الجمال. يذكر سفر التّكوين في الكتاب المقدّس الخلق كفعل جماليّ يرضى عنه الله. ويستخدم الكتاب عبارة (ورأى الله أنّ هذا حسن) (سفر التّكوين الفصل الأوّل). وسنقرأ كلمة (حسن) ستّ مرّات قبل أن تبلغ أوجها في المرّة السّابعة (حسن جدّاً) بعد أن خلق الله الإنسان على صورته ومثاله. “ونظر الله إلى كلّ ما صنعه، فرأى أنّه حسن جدّاً.” (تكوين 31:1). لا يمكن الوقوف عند هذه النّقطة والاكتفاء بتأمّلها، ولن يتمّ استشعار هذا الجمال، إلّا إذا اكتشف الإنسان هذا الجمال واتّحد به، ما عنته الفوليكاليا في الفكر المسيحيّ. أي اكتشاف الجمال الإلهيّ وعشقه حتّى الانصهار والامتزاج به. فالجمال مرتبط بالعشق الإلهيّ بل الجمال هو العشق والعشق هو الجمال. وكلّما غرق الإنسان في عشق الجمال الإلهيّ تمنطق بهذا الجمال واستنار العقل، واقترب من معرفة الله. فالعقل هنا يترادف والإدراك العقليّ لله. ولكنّه ليس إدراكاً بالمفهوم الجوهريّ وإنّما انجذاب للجمال وحركة تفاعليّة بين الجمال الإنسانيّ والجمال الإلهيّ. يقول القدّيس غريغوريوس النّزيزنزي: “أعتقد أنّ هذا الإدراك يصير هكذا، لكي ننجذب إلى ما يمكن أن ندركه، لأنّ غير المدرك تماماً، يُحبط أيّ محاولة للاقتراب منه. ومن جهة أخرى فإنّ غير المدرك يثير إعجابنا ودهشتنا، وهذه الدّهشة تخلق فينا شوقاً أكثر. وهذا الشّوق ينقّينا ويطهّرنا، والتّنقية تجعلنا مثل الله. وعندما نصير مثله، فإنّي أتجاسر أن أقول أنّه يتحدّث إلينا كأقرباء له باتّحاده بنا. وذلك بقدر ما يعرف هو الّذين هم معروفون عنده.”

العشق المتبادل بين الله والإنسان محاكاة جماليّة، فالله الجمال الأعلى، والإنسان مخلوق على صورة الله يدرك الله بالجمال. فتمسي العلاقة الإلهيّة الإنسانيّة جمال إنسانيّ يتّحد بالجمال الإلهيّ ، فيكون الإدراك العقليّ إدراكاً للجمال كمعرفة عشقيّة تختلط بها أنفاس الإنسان بالأنفاس الإلهيّة، إن جاز التّعبير. ولمّا كان الإنسان على صورة الله، أي على صورة الجمال فلا بدّ أن يكتشف هذا الجمال فيه أوّلاً، ويتنقّى ثانياً حتّى لا يبقى منه إلّا الجمال فيصيح عاشقاً بكلّيّته لله. ومن العسير أن يتبيّن الإنسان جماله العميق ما لم يتّجه نحو العالم الإلهيّ ويرتفع عن الأرضيّات. “طوبى لأنقياء القلوب لأنّهم يعاينون الله” (متى 8:5). ولا بدّ من أنّ

النّقاء القلبيّ ليس بمعزل عن النّقاء العقليّ والضّميريّ. وقد يأخذ النّقاء القلبيّ معنى الحرّيّة الإنسانيّة؛ إذ بالنّقاء يتفلّت الإنسان من المعيقات البشريّة فلا يبقى إلّا الجمال ولا يبقى من الإنسان إلّا عشقه لله، وباتّحاده بالجمال الإلهيّ لا يبقى منه إلّا الله. وهنا يخرج منحى العشق الإلهيّ عن المفهوم الدّينيّ الضّيّق والمحدود والمقتصر على عبادات وواجبات وفروض، ليدخل في إطار حالة الصّلاة الجمال. فالصّلاة حالة لقاء حواريّ مع الله وصلة بالجمال المشتهى. الصّلاة العشق الّتي واظب عليها القدّيسون حتّى صارت حياتهم غير مستطاع احتمالها لديهم. ومن شدّة تولّههم بهذا الجمال واضطرامهم برغبة الجمال الّذي لا يُشبع منه ظهرت إنسانيّتهم الكاملة تلك الّتي على صورة الجمال الإلهيّ.

الجمال قضيّة الإنسان، ولقد خُلقَ ليتعرّف عليه وينصهر به وينغمس في تفاصيله حتّى ينتقل من مجد إلى مجد ويبلغ ذروة الاتّحاد بالله الجمال.

1 تعليقك

  1. مقال جميل سيدتي ،،، لكن للامانة يجب تكملة العنوان ليصبح (… وعشق الجمال الالاهي في المسيحية) فمقالك لم يخرج إلى فضاء الانسانية بكامل اطيافها فالديانات التوحيدية الاخرى قاربت هذا الموضوع وحتى الديانات الشرقية كالبوذية وغيرها ابدعت في هذا المجال،، تحيتي لشخصك

اترك رد