كيف تصنع جاهلا – ج3


 

السُلطة “سياسية ودينية”. معادلة محققة بقدر لا يخالف الواقع الفعلي المعاش بل يتطابق مع تفاصيله في أحيان كثيرة، وتؤكد تلك الثنائية توليفة أو تركيبة المنصة التي تنطلق منها القرارات والقوانيين والتشريعات التي تُرهق المواطن المصري في الوقت الذي تحافظ فيه السلطتان _بهذا الإرهاق_ على وجودهما، وتتحدد مساحة نفوذ كل منهما عند حدود الآخر بما يسمح لاستمرار التوازن المطلوب بينهما.

تختبئ هذه الحقيقة خلف كم هائل من الوجوه التي تتبدل على جسدها المتسكع في شوارع هذا الوطن منذ 65 عاما متصلة، ولا يلحظه أحد!، وهو يعبث _بكل أطرافه_ في عقولنا الخاملة والمحاصرة، ويصُب سوائله الخبيثة في رحم العقل الجمعي المصري!.

يُرهقك شعورك بوطأة المُمارسات السُلطوية العنيفة!، ومن ثم ملاحقة أحلامك المشروعة، وتغليف يومك بمفهوم (لقمة العيش)، ومن أزمة إلى أخرى، ومن استهلاك وتحلل جيل إلى آخر، تخيلت أن ما يدور من أحداث، ويحاك حولك من تعقيدات وغموض شيئ طبيعي جدا، وهكذا هي الأوطان تلُفها الأزمات الإقتصادية، ويعصف بها الإرهاب، وتتآمر عليها الدول. لذلك تُصيب بعشوائية.. واقعك، وتسقطه في المجهول، وتخرجه _رغم مقاومة ذلك بشتى أنواع المقاومة والوسائل الشحيحة المتاحة_ من سباق الوصول إلى المستقبل، أو على أقل تقدير تحقيق وجودك.. خُدعة!.

ولعل رصد المبادئ والقواعد الضمنية التي تتحكم في ربط السُلطة السياسية “الشمولية” بالسلطة الدينية “الماضوية”، ومن ثم تفتيتها وسحقها موضوع حياة أو موت.أي قضية وجودية لا مفر من مواجهتها وحل كل إشكال من إشكالاتها الموزعة على مفاصل عالمنا البسيط على حدى تأسيسا على (الثورية) التي ترسخت في الشخصية المصرية ووحدتها خلال 25 يناير، و30 يونيو المجيدتان.

فبالفعل انحازت النظريات الإنسانية والسياسية الحديثة لفكرة ترتيب الحُكم تصاعديا أي من أسفل إلى أعلى،وتأكيده بفتح مسارات إتصال
أفقية بين شرائح المجتمع المتباينة تسمح بضخ المعلومات من وإلى كل الإتجاهات ومناقشتها بحرية كاملة.

كما أنها باعدت بآليات إبداعية مختلفة المسافة بين ثنائية السُلطة “السياسية/الدينية” ليستحيل تقاطعهم مرة أخرى،وفعلت أفكار ومفاهيم حيوية وعمقتها في الذهنية الجمعية مثل: الحرية، المواطنة، … الخ، لتتم عملية إستبدال سريعة _إلى حد ما_ لأفكار ومفاهيم الجهل والتجهيل التي عملت على ترسيخهما ثنائية السلطة “الدينية /السياسية” منذ سنوات في مختلف مجتمعات العالم وقاومتها ثقافيا قبل أن تقاومها سياسيا، ومن ثم دخلتمن أوسع أبواب الحضارة وصنعت عالمها الجديد.

إذن لا مفر من تحطيم آلة الجهل بضربة واحدة فلم يعد يجدي تعطيل خطوط إنتاجها بمقالة هنا ونص شعري هناك، ولمواكبة العصر الذي نحيا على متنه ونحن متجهليين، وجاهلين، ومتجاهلين خصائصه، وعوامل نشأته،وإمكانات تطوره، مفردات نموه. علينا أن نصنع تجربتنا بأيدينا على قواعد عقول مفكرينا الطازجة، ولكن، لن يتحقق هذا الحُلم الثوري البعيد بمفرده، ولن يتحرك ويقترب خطوة واحدة في اتجاه واقعنا البائس إلا إذا قرر الشعب المصري بكل تنوعاته ذلك، وصهر تحجره الفكري، وعمل على مشروع ثقافي وطني يبدأ بتقديم المفاهيم الكبرى للدين والسياسة بشكل عام للمناقشة الحرة، وإبداء الرأي فيها ومعالجتها وصياغتها بما يتفق مع شكل ومضمون الدولة المصرية المدنية الحديثة المراد بناءها على أسس اجتماعية وعلمية تمد جسورها لحضارتنا المصرية القديمة.. المُهْملة. بعيدا عن أنوف رجال المؤسسة الدينية المُسيسة ورجال المؤسسة السياسية المتدينة.

ولن أكون متشائما حين أقول أننا بحاجة لثورة ثقافية عنيفة تمحو ما قبلها كله، وتعيد تحديث وترتيب العقل الجمعي المصري من جديد.

لا تعليقات

اترك رد