التفكير الإستراتيجي في التصميم


 

التصميم شأنه شأن اي نوع من التطبيقات والانشطة العقلية التي تجمع بين النظرية والتطبيق يستند الى كثير من التفعيل الخيالي والتصوري ،لاسيما في مرحلة القبل فهي التي تفتح بمفاعيلها الباب واسعا لوضع الأفكار موضع التنفيذ ، ولإن هذا الضرب من الفنون متصل بطربقة ، او باخرى مع احتياجات ومتطلبات الناس والسوق ، فهو في تماس مباشر مع المشكلات التي تجابه انسان اليوم في خضم صراعه وحراكه اليومي ، صراع التنافس والتحديث والمواكبة العلمية والفكرية والتقنية ،لهذا فالمصمم يقف واقعا امام عتبات البحث عن الحلول لمشكلات تَلَمَسَها ،وهي لاشك مشكلات مفصلية، وان يكن قسم منها تغذي وظائف تزيينية ، او اكسسوارية ،انها بالنتيجة متطلبات انسانية واجب الاهتمام بها من قبل الشركات والمصممين عموما ، لهذا يحضر المصمم ، ولهذا تحضر الشركات ومراكز الابحاث ،والاخيرة هي الاهم ،فهي التي تقوم بدراسة المتطلبات الناتجة عن احتياجات متنوعة ،هذه المراكز تعمل على وفق منطلقات ومنصات ذات اهداف ابتكارية كي تبقى في سوق يعج بالعروض ،لهذا فهي بحاجة ماسة الى عقول تصميمية ابتكارية تنماز عن غيرها في قدرتها على التخيل والتصور والتجوال في فضاءات البحث ،انها عقول تتمتع بحس تفكيري استراتيجي شامل ، عقول قد لاتتوافر في اي مكان ، وعندما نصفها بذلك فهي تتمتع بتلك السمات التي تستطيع النفاذ الى اضيق المساحات بمرونة وسهولة استقصائية بحثية شغلها وفاعليتها هو تقديم تصورات تستند الى مفاعيل التفكير الاستراتيجي، إن ” الغرض من التفكير الاستراتيجي هو توجيه العمل نحو نتيجة مرجوة، وعكسه تماما ما يؤدي إلى الركود والارتباك، لهذا ينبغي أن تحقق الاستراتيجية الوضوح ” ،فهي فاعلية تتطلب منطقا تطبيقيا يمكن ان يؤدي الى هدف ،او مجموعة اهداف متوخاة،ويصف “(منسبيرج) التفكير الاستراتيجي بِعَدِهِ وسيلة جيدة من التفكير الذي يستعمل الحدس والإبداع مع نتائج كونها “وجهة نظر متكاملة للمشروع.”…مما يشير إلى أن التفكير الاستراتيجي الفعال يؤدي إلى ميزة تنافسية،وهو نشاط لتفكير فردي يفيد عمل الشركة، والغرض منه اكتشاف استراتيجيات تنافسية لوضع الشركة بشكل مختلف اختلافا كبيرا عن الحاضر، والتفكير الاستراتيجي يماثل إعداد خطة استراتيجية تحدد بالتفصيل التكتيكات التي ينبغي اتخاذها لتحقيق الأهداف والغايات، ويسهم في التطوير العام، والمفاهيم الواسعة، ذا شمولية تركز على الاتجاه المستقبلي للشركة بناء على الظروف البيئية المتوقعة”.

ان التكاملية الشمولية في الوصول الى ذلك تتمتع كما اسلفنا بحس حدسي ابداعي ودونهما لايستطيع المصمم ان يقدم شيئا يتمتع بالجودة والاصالة ، وهو متطلب مهم عند الشركات والناس عموما ،اذ لايريد كليهما تكرار الاجيال التصميمية في وقت سريع التطور ، لهذا فإن المديرين التنفيذيين الذين مازالوا يستعملون ذات الادوات والاطر التقليدية” للتواصل الإستراتيجي بجداول البيانات وملفات بوربوينت ماعادت تكفي ، بل ينبغي أن تكون لديهم طرائق جذابة للغاية ،على سبيل المثال في سردهم للقصص والروايات إن كانت تعتمد الكلمات فقط، اذ ليس هناك ما يكفي من المتلقين لكي ينصتوا الى تلك الروايات ، ان الكلمات مفتوحة للغاية لتفسير معانٍ تعني أشياء مختلفة لأشخاص مختلفين، لاسيما عندما يكونوا جالسين في امكنة مختلفة”،اي على المصممين والشركات كذلك البحث عن مناطق اخرى غير مكتشفة ،مناطق ابداعية تسهم في جذب المتلقي وتستقطب شواغله الانسانية ،ان الناس “تحتاج أن يكون لديهم فهم لما تريد قوله وتخطط له – صورة في أذهانهم – لماذا اخترت استراتيجية معينة وما الذي كنت تحاول ان تقوم به”،ولنا في حكاية شركة سامسونج حكمة وتبصر يقع في فهم التفكير الإستراتيجي عند المصمم والشركة على حد سواء،فـ “قبل أن تصبح سامسونج علامة تجارية تركز على التصميم، وان تكون مصنعة في المقام الأول ،وغير مكلفة، تم تصنيع المنتجات من قبل المهندسين وفقا لمؤشرات الأسعار والأداء ،وحضر المصممون فقط في نهاية دورة حياة التصنيع لجعل المنتجات تبدو صديقة للمستهلك،وفي عام 1996، قرر( لي كون هي)، رئيس مجموعة سامسونج، أنه إذا أرادت الشركة أن تكون معروفة في ابتكاراتها، فإنها تحتاج إلى جعل التصميم أولوية وتقديمه إلى الأمام في دورة الحياة، الآن، حتى بعد عقد من الزمان، سامسونج هي واحدة من أكبر العلامات التجارية التكنولوجيا في العالم، يعمل فيها أكثر من 1600 مصمما ساعدوا الشركة بالفوز بعدة الجوائز في مجال التصميم، فضلا عن ذلك ، لاحظ فريق تصميم سامسونج أن رجال الأعمال في كوريا واليابان لديهم نمط في تدوين الملاحظات، أو الجداول في أجهزة الكمبيوتر المحمولة بحجم الجيب. وأدت هذه الملاحظة إلى نظرة ثاقبة حول سلوك المستهلك، مما أدى إلى فكرة الـ “مذكرات الذكية” الكاملة مع القلم: هي أكبر من الهاتف الذكي الحالي ، وأصغر من قرص، ومثالية للكتابة. وجاءت النماذج الأولية والاختبار، والنتائج أدت في نهاية المطاف إلى سلسلة ناجحة جدا من جيل (غالاكسي نوت) … وبدأ كل شيء مع عملية التفكير التصميمي،علما ان سلسلة (نوت) استحوذت على سوق الاجهزة الذكية بشكل واضح لمدة ليست قصيرة ،على الرغم من الاخفاقات التي صاحبت بعض من اصداراتها والتي وضعت الشركة امام موقف التفحص والدراسة البحثية للوقوف على المشكلات التي اسهمت بذلك الاخفاق ،وهنا يصف ( كيونغموك كيم) أحد مصممي سامسونج الرئيسيين، التصميم في عام 2015 بأنه “جزء كبير من الحمض النووي لشركات (سامسونج) الذي يعتمد فيه كبار القادة على المصممين للمساعدة في تصور مستقبل الشركة بأكملها.

“ان حل المشاكل غالبا ما يأخذ اطارا منهجيا علميا ،يبدا بتحديد المشكلة، وتحديد الخطوات التي يجب اتخاذها والأدوات التي تستعمل للوصول إلى حل، ثم يتم الإلتزام بالخطة تحقيقا للنتيجة المرجوة. انها واضحة، ولكن ليس دائما مرنة ومبتكرة وفعالة، ماذا لو لم تكن المشكلة المحددة هي المصدر الحقيقي للمشكلة؟ ماذا لو لم تؤد الخطوات إلى الحل الصحيح؟ بدلا من البدء بمشكلة، يبدأ التفكير التصميمي بالملاحظة، إنها مستنيرة بفهم الثقافة وسياق المشكلة (ما يحتاجه الناس)، بدلا من المشكلة،كما ان لكل مشكلة سياق مختلف، قد يحددها الناس، في التفكير التصميمي، ينطوي التعاطف على فهم المعتقدات والقيم والاحتياجات التي تجعل الجمهور يضع علامة، وهي تنطوي على المراقبة – المشاهدة، والاستماع ، وفهم الجمهور – والمشاركة – والتفاعل مع الجمهور، أو المستعملين”،لهذا ان فهم التفكير الإستراتيجي في التصميم هو ليس بمعزل عن الظروف البيئية المحيطة بالمصمم والشركات ،بل هو في لب ذلك ،وهو مرتبط بما يحصل ،كما يقول (تيم براون) “التفكير التصميمي هو نهج يركز على الإنسان للابتكار الذي يستمد من مجموعة أدوات المصمم لدمج احتياجات الناس، وإمكانيات التكنولوجيا، ومتطلبات نجاح الأعمال”، لهذا “لا يتوافر تعريف واحد لأستراتيجية التصميم، لكن الهدف يبقى يتحرك ضمن دمج الأعمال والأهداف الإبداعية بطريقة ذات مغزى ،وأن يتحرك التصميم ضمن ممارسة وظيفية- جمالية. يقول (روب بيندر)، المدير الإبداعي ومالك شركة ربد: “عندما ندمج عمليات التصميم وفكر التصميم في الأهداف التجارية الأكبر لشركاتنا أو عملائنا، فإننا نرفع مفهوم التصميم إلى ان يكون أداة استراتيجية يمكن للشركات أن تفيد منها”، وفي ذات الوقت تفيد المتلقي وتسهم في تطوير دورة الحياة التي تتنامى تقنيا ومعرفيا واقتصاديا وتجاريا ،لأن استراتيجيات الأعمال التجارية والتصميم مرتبطة ارتباطا لا ينفصم كونها تلبي الاحتياجات المختلفة، وهنا يقول(جريج مان) الشريك والمدير الإبداعي في (مجموعة فيبوناتشي للتصميم المحدودة في لوس أنجلوس) تتضمن استراتيجية الأعمال الأهداف المالية والمنتجات والسوق، والتي يتم التعبير عنها في أفضل وجه من خلال نقاط الاتصال التجارية، واستراتيجية التصميم هنا تمثل خارطة الطريق للمكونات المرئية والإعلامية التي تساعد في بناء وتحقيق هذه الأهداف”.،انها اذن خارطة عمل متكاملة تأخذ باسباب الفكرة وتلم باطرافها جميعا،ويمكن ان توصف “استراتيجية التصميم بأنها اختراع للغة للتعبير معبرة عن استراتيجية عمل العميل بشكل أوضح، ويضع (جيمي كوفال) الفكرة على هذا النحو: “استراتيجية التصميم توضح معالم وإمكانات محددة تقود سلسلة من الحلول وصولا الى النتائج. انها بسيطة، مقنعة وقابلة للتنفيذ “. وكما هو الحال مع أي لغة، فالتطور والاختلاف أمر لا مفر منه ويجب استيعابه، وبهذا الصدد يقول (فولكر دور المدير الإبداعي لشركة “ديور ديزاين” في لوس أنجلوس): إن استراتيجية التصميم هي خطة متعددة الأبعاد ومتعددة الجوانب تسمح بالسفر في مسارات مختلفة، وانها تندرج ضمن خيار المرونة والنمو العضوي في جدول الاعمال منذ البداية”،والتصميم الكرافيكي كونه احد تطبيقا فنون التصميم هو وسيلة فعالة للغاية للتواصل التسويقي البصري، وهو ينطوي على قدر كبير من التفكير الاستراتيجي، وهذا يشتمل عوامل مثل اللون والأشكال والخطوط والرسوم البيانية والصور الفوتوغرافية، والتي يمكن أن تمثل ارسالا تواصليا بيانيا متسقا مؤثرا في المتلقي، وتتطلب العديد من أساليب التسويق اليوم نوعا من التصميم الكرافيكي، سواء كان ذلك مع المواقع، وتصميم المنتجات، والرسوم المتحركة، وسائل الإعلام المطبوعة، أو وسائل الإعلام الرقمية، وهي تطبيقات تستحق الاستثمار لانه يمكن استعمالها في جميع ما تبذلونه من التسويق.

لا تعليقات

اترك رد