هموم قاضي النشر


 

للمرة الثانية في حياتي أدخل محكمة أمام قاضي. في المرة الأولى أمام قاضي بغداد الأول المرحوم عبد القادر إبراهيم علي حين عقدت قراني على زوجتي العلوية أم علي في ثمانينات القرن الماضي. والثانية امام كبير قضاة محكمة النشر والإعلام القاضي جاسم محمد عبود الإسبوع بوصفي مشكوا منه من قبل أحد السادة أعضاء مجلس النواب. في المرة سألني قاضي المحكمة الشرعية على أي مذهب اروم عقد قراني. ولأني لم اكن أعلم بهذه الحيثية فلم أحر جوابا فتركت له حرية إختيار المذهب الإسلامي الذي أعقد عليه قراني. لم تكن المذاهب قد تحولت الى هويات بل وحفر وخنادق نتمرس خلفها. وللتاريخ أشير الى ان النتيجة كانت في وقتها ومن باب المفارقة هي انه تم عقد قراني طبقا لمذهب غير المذهب الذي يفترض انني أنتمي اليه.

في الإسبوع الماضي وقبل الدخول الى مقر محكمة النشر والإعلام في الرصافة وجه لي المحامي الذي يتولى قضيتي الصديق علي خيون سلسلة من التحذيرات الصارمة جعلتي أرتجف من باب المحكمة حتى صعودي الى الطابق الثاني للتهميش على كتاب من قبل القاضي الأول. من جملة تعليمات صديقي المحامي أن لا استخدم التلفون فيما إذا سمح لي بإدخاله معي, ان لا أتكلم قبل أن يأمرني القاضي بالكلام. وإن تكلمت فيجب أن لا ألتفت الى الخصم محاميا أم شاكيا بل أوجه كلامي لهما عبر القاضي. علي أن أقف الى جانبه بالإستعداد وكانني في ساحات الوغى.

لكن حين صعدت الى الطابق الثاني وبعد أقل من دقيقتين على جلوسي في قاعة الإنتظار طلب مني الدخول الى غرفة القاضي الأول فتسلحت بكل تعليمات الصديق علي خيون فإذا بي اواجه القاضي جاسم محمد عبود مبتسما وهو يقوم من مكتبه ويتوجه الى ليصافحني بحرارة في منتصف المسافة بين الباب ومكتبه. وما أن جلست قبالته حتى جاءني إستكان الحامض الى الحد الذي شككت فيه بنفسي. فأنا ومثلما تشير اللوائح إنني متهم بقضية نشر وهو مايتوجب وقوفي أمام القاضي للدفاع عن نفسي في قاعة المحكمة لا في غرفة مكتبه.

سألني القاضي عن حيثيات عملي الصحافي فكنت صريحا معه الى ابعد الحدود. ومن خلال كلامه والهموم التي يواجها من أجل الوصول الى الحقيقة وهو ما دفعه الى ان يتولى بنفسه قضايا النشر من موقع أدنى حيث إنه قاضي محكمة الرصافة التي الأول إننا في الوقت الذي نطلق على الصحافة بوصفها “مهنة البحث عن المتاعب” فإن مهمة القاضي لايوجد ماهو أصعب منها حيث تنحصر في الوصول الى الحقيقة. وبلا شك فإن هناك فرقا هائلا بين متاعب قد يبحث عنها الصحافي وربما يلجا اليها أحيانا من أجل الشهرة وبين الحقيقة التي قال عنها ارسطو ذات يوم في معرض الكلام عن أستاذه إفلاطون إن “إفلاطون عزيز علينا ولكن الحقيقة اعز”. لست أريد التطرق الى القضية المحال اليها انا الى محكمة النشر بقدر ما أريد الإشارة الى مسالة في غاية الأهمية وهي ان القاضي الاول الذي منحني أكثر من ثلث ساعة من وقته ليستمع الي فيما يتعلق بدور الإعلام والصحافة وما تحدث هو به وخلاصته ان ما يهمه بالدرجة الأولى هو كيف نبني العراق ونكبر على التحديات التي تواجهنا.

قضايا النشر والإعلام شأن مختلف في سياق الدعاوى والمحاكمات الاخرى بمن فيها الجنائية. فالقاضي في تلك القضايا يحكم وفقا لأدلة إما تجئ عبر الإعتراف الذي هو سيد الأدلة أو من خلال التحقيقات التي ربما تاخذ وقتا طويلا. لكن قضايا النشر أصعب بكثير لأنه لايكفي فيها الطرفان المتنازعان المدعي والمدعى عليه. لابد أن يكون هناك طرف ثالث وهم خبراء النشر. وحيث ان القاضي ليس طرفا بل هو حكم مامور بإسم الشعب وبعد ادائه اليمين بالقران فإن مهمته هنا لاتتعلق بتكييف القضية طبقا لمواد القانون بل تكييفها طبقا لما هو أخطر وهو عينه الثاقبة وضميره الحي حيث يتوجب عليه الحكم على الدوافع والنوايا وهي مختلفة ومتغيرة وأحيانا عميقة الغور. ساعد الله القاضي الذي يذبح يوميا بدون سكين.

لا تعليقات

اترك رد