لحظة تأمل


 

طيور من نوع نادر تحطّ مجتمعةً على أسنان القرش وهو مستلقٍ قبالةَ أشعة الشمس في أحد نهارات البحر الأحمر الساطعة . التفتُّ الى شوقي قائد المركب الصغير وهو غوّاص أيضا؛ وعادة مايطيل ويسهب في المعلومات والملاحظات والامثلة حتى يجعلك تندم على سؤالك ، ماهذا !؟، منظر غير معقول ! ضحك شوقي : هذه الطيور تعيش على بقايا اللحوم التي تتخلف بين أسنان القرش ، تشعر القروش بعد هذه الجولة بالحيوية وتمضي الى حياتها .

لم تنتج الطبيعة مساحة محايدة بين موجوداتها ومكوناتها ، فنظام التوازن العجيب قائم على التبادل والتكامل والأزاحة بشكل تلقائي دون مساحات محايدة . الموت ضد الحياة وهو ليس ضدها، إنه المرحلة المتأخرة منها ، لكنه استقل واصبح كيانا وفعلا ومؤثرا منفردا وليس مجرد بند في عقد الوجود الذي تم الاتفاق عليه دون اعتراض او تعديل ، حتى الظلام والضوء والدرجات التي بينهما ، لايمكن ان تعدها حيادا ، لان كل درجة لها كيانها قد تكون مقدمة لغيرها ولاحقة لاخرى لكنها قطعا ليست حيادا بينهما … يَنتج الحياد عن التأويل والتفسير لذلك تجد موتا رحيما وموتا مقدسا ، والموت دفاعا عن النفس ، وهذه الاخيرة كذلك تذهب بنا الى الدفاع الاستباقي الذي يعد جريمة بمبرر محتمل! والدفاع بالاستقواء بالاخر ، ثم من هو الاخر؟ وماهي مصالحه في دخول هذه المواجهة ،؟ واي دعم يتلقاه ، عسكري؟ عاطفي ؟ ويصح ذلك على الماء والسماء والحب والحرب والسلام والكتابة والقراءة والتجارة وجميع مفاصل وشؤون الدنيا ، اي ان التاويل والحياد ومايرافقهما من انحياز وظلم أو دعم للظلم أو ايمان أو الحاد أو كفر بفكرة ما انما هو من اعمال العقل المركّب الذي صيّر الرمل زجاجا والفضاء طرقا وصنع الكلام .

مَنْ جعل الناس الذين يعيشون اليوم على هذا الكوكب يتقاتلون ثأرا لخلافات أجدادهم في تلبية منظمةٍ لرغبات موتى ! وتحت عناوين شتى ، رغم مصيرهم المشترك ، يجوعون وياكلون ويحبون وينفعلون ويهرمون ويموتون معا ، ؟ ، الافتراس ذاته بين الكائنات الاخرى ، لكنه يلبس ثوبا عقائديا مفترضا بين البشر .

هل ان الله فعلا بحاجة الى عبد زائل ينصره ضد عبد آخر ؟،هل ان هناك حكمة من وراء هذا السر المدهش الذي يتجاوز خرافة العلم ، وسحر الخرافة ، وتداعيات التأمل والتفكير التي تحولت الى الواح ثم كتُب، ثم حلقات وجامعات ومدارس دون جدوى ، دون جدوى، ونحن نحتفل بالعِلم الذي يمكن القول في لحظة تمرد وعدمية مطلقة : انه لن ينجز شيئا يتصل بجوهر السؤال سوى انه طور الوسائل ، فجعل القريبَ بعيدا ، والثقيل خفيفا ، وعالج الألم جاهدا ، واعطى للحياة بهجة ونظاما وللجسد ازياء ونظافة وعطرا وللعلاقات بين هذه الكائنات منظومات قيمة وضعيه كالشرع والثأر والشرف وغير ذلك من المتفق عليه ، لكن الأرضَ الخالية والاحراش والمشيمات التي تدلق في الحقول والبراري ، والنبات العشوائي ظل هو الاصل ، وظلت الطبيعة تراقب كائنات منظمة جدا ، تسلمّ شؤونها الى كائنات تولد بعدها . في عالم من الوهم يجعلهم ياكلون بعضهم بالفؤوس والطائرات.

فئتان ، احداهما تعمل والاخرى تحث على العمل .. الثانية اضطهدت الاولى او عطلتها ، لذلك طرد “افلاطون” من جمهوريته الشعراء ، واصفا “بروتوغاراس” الذي سبقة بانه مضطرب عقليا ، لانه قال : أن الإنسان هو مقياس كل شيء ، بعد ان رفض عبادة الاوثان في عصره وقال : لا استطيع ان اعلم إن كانت الآلِهة موجودة أو غير موجودة وعلى أي صورة تكون – وذلك بسب غموض الموضوع وقصر عُمر الإنسان” ، ولذلك ثار عليه المجتمع اليوناني وأحرق كتبه واتهموه واتباعه السفسطائيين بقلب الحقائق والتلاعب بالالفاظ والمتاجرة بالمنطق..حادث مر عليه اربعة وعشرون قرنا من الزمان .لكنه مثل تعويذة تُتَناقل في السر تارة لانها مميتة ، وتُمجّد في العلن لانها مصدر للسلطة تارة اخرى ، اتباعها مصلحون خالدون او متمردون مجانين ، او قادة وشيوخ وملوك .. اديان وانبياء ومعجزات ودلائل ، كلها والعلم معها ، وبينهما الانسان المقبل حفيدنا ، نحن احفاد البيضة الاولى نهيم على هذه الارض يستعجلنا ابناؤنا لتسليمها لهم دون اعتراض مثل دين مستحق دائما. كيفما كنت منحازا او محايدا انجزت ماتتركه لهم او لم تنجز، فالأرض – كما يقول حكماء الصين – لم نرثها من آبائنا بل اقترضاناها من أبنائنا.

شارك
المقال السابقتحية من بيكيت
المقال التالىعذراء سنجار تبقى عذراء رغم خيانة راوي حكايتها
عبد الحميد الصائح شاعر وصحفي وناشط في مجال حقوق الانسان .مواليد الناصرية جنوب العراق - يقيم في بريطانيا.. اصدر عددا من الكتب في الشعر والمسرح وله كتابات في النقد والصحافة كما قدم برامج سياسية وتلفزيونية تعنى بالشان العراقي . درس المسرح في كلية الفنون بجامعة بغداد والاعلام في الجامعة الامريكية ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد