الخطاب الفني .. عند النحات اسماعيل فتاح الترك

 

تطل علينا ذكرى رحيل الفنان – إسماعيل فتاح الترك – هذه الأيام ,والذي سيبقى في الذاكرة دوما , طالما كانت شواهده الفنية , نبضا , تبعث فينا , نبع الحياة , ورسالة الإنسانية , في وجهها المشرق – هو الإبداع الحضاري – يبقى في الذاكرة , مثلما بقيت تلك الأعلام البارزة , مثل جواد سليم , وفائق حسن , وإسماعيل الشيخلي , والرحال , وغيرهم .

لقد فارقنا وترك مشاريع بعضها أوشك على الإنجاز ، وأخرى بدء بها توا , بقيت بإنتظار لإنجازها , لكنه رحل دون وداع مسبق , إلا إن روحه ظلت تحوم حول قبة الشهيد ..

– الترك – كان دؤوبا بحيوية الشباب لآخر أيامه , مع طين الرافدين , وترابه , وخاماته الأخرى , بفكر , وإرتباط مقدس كالفنان الرافديني المجهول الإسم , قبل ثلاثة آلاف سنة .

– إسماعيل الترك – المولود في البصرة عام 1934 درس الرسم والنحت في معهد الفنون الجميلة , درس فن السيراميك أيضا في معهد – سان فاكو مود – روما 1964 , والنحت 1963 , إن هذا التنوع من الدراسة جعلت عنده آفاقا شاملة , جسدت عند الفنان , في ثيماته , البصرية , والمعرفية للواقع الإجتماعي العراقي , أبعادا بلورت انتقالاته من النمط السائد آنذاك إلى النزعة التفردية والتجسيد التجريبي المغامر , وكان تفرده بإتجاهين :

. الخروج من نمطية الإنشاء التوليفي والقواعد المبسطة فنيا 1-
. الغليان الفكري الداخلي لمعالجة الواقع الإجتماعي تعبيريا 2-


على وفق هذين الإتجاهين حيث إكتسب أعماله عمقا وطرازا إبداعيا جديدا , وقد كان لنشأته الجنوبية أثرا في مضامين أعماله كغيره من جيل الستينيات , ونتيجة للظروف السياسية والإجتماعية الصاخبة التي يمر بها البلد , أدرك ان مسؤلية الفنان في تلك المرحلة أوسع , – إنجازا – من تحقيق المشاهد الترفيهية في الهدف والشكل , وبرغم إن دراسته وتأثره بالإتجاهات الأوربية السائدة , إلا أنه إستطاع أن يحقق الصلة بتوافق بين إستلهام التراث والمنابع الأوربية , لقد كان – الترك – تجريبيا مغامرا , يكسر الأنماط السائدة بمفاجئات غير مألوفة في الوسط الفني , كإستخدامه للألوان الحيادية والوردية مثلا , وكذلك في أشكال منحوتاته التعبيرية , إن هذه المفاجئات كانت تعبر عن دفق ساخن داخل ذاته الواعية .. عن حقيقة الصراع الإجتماعي والمتناقض في البيئة العراقية , بلغة فنية تدعوا النظارة للأنتباه , والتساؤل , وحوار الرؤيا , إن تلك التكوينات ذات النمط – الدراماتيكي – لم تكن وليدة وعي لمعالجات المدارس الأوربية , بذاتها , بل كانت عاملا محفزا مضافا , وهي بالأساس نابعة من الوعي , والإحساس بالمحيط المحلي للبيئة العراقية , من واقع الصراع الإنساني الذي تناوله فن وادي الرافدين – النحت الآشوري – ملحمة كلكامش – وغيرها , الذي يستند إلى وحدات التحليل الأولية لمفردات التراث والمصادر الأخرى , ف – نصب الشهيد – مصدره الموضوعي / إسلامي شرقي / إلا إن إعادة التركيب والتلاعب في بناء الصيغة التوظيفية للعمل , أعطت أثرا مدهشا – حقق عامل الإثارة الحسية عند المشاهد سواء كان بإنزال القبة من أنماط المرتفعة إلى قاعدتها الأرضية , أو بشطرها غير المألوف ., إن إمتدادات الفنان في نشأته البيئية , ذات سماتها الحادة , والصراع المتوتر والقلق , أعطت أعماله النحتية المشخصة , طابع الهوس والنزوع من كارثة قد أصابت شخوصه المتهرئة , والمقطعة الأوصال والأطراف , وخاصة في معارضه الأخيرة .

– الخطاب الفني ورمزيته –
لمعرفة الخصائص الأسلوبية للفنان , اي فنان – منهجا – وبإتجاهين في بناء الشكل والجوهر , لابد من العودة إلى جذور ألفنان والعوامل المحيطة به , فالبصمة التي هي نتاج الذات والعوامل الموضوعية الأخرى , والعوامل هنا تخضع إلى مفهوم – الزمكان – في بعديه المؤشرين في آن واحد , ولما كان – إسماعيل الترك – هو من جيل الستينيات – فإن خصائص هذه المرحلة الإجتماعية والأحداث السياسية قد إنعكست بلاشك على هذا الجيل ومنهم – الترك – لذلك أعماله سواء ما يخص الرسم أم النحت , قد تميزت بردود الأفعال لدى الفنان لتلك المرحلة , تحفيزا لإختراق الأطر السائدة آنذاك وكسرها , لدى الرواد , كالإنشاء التوليفي والأساليب المدرسية , لقد حاول – فتاح الترك – أن يمنح أعماله صفة تجريبية تتلمس أبعادا مستقبلية في بداياته , لاسيما بعد عودته من إيطاليا , كان الفنان إزاء واقع إجتماعي مليء بالتناقضات المحتدمة , قد تحسس هذا الواقع , ونتيجة لدراسته وإطلاعه على المدارس الأوربية فقد عالج تلك الأوضاع برؤية معاصرة , لم تبعده عن تأثيرات نشأته في مناخ متوتر وقلق , وتمتد جذوره إلى جنوب العراق , لذلك فالفنان يدرك مكونات عمله في اللوحة , أو التمثال , برؤية لاتنفصل عن جذوره التراثية , إن تلك النتاجات التي إنعكست عليها إسقاطاته الذاتية , لم تكن منفصلة عن التركيبة الإجتماعية التي ينتمي إليها .

لقد أراد – الترك – أن يحقق رؤيته المستقبلية عن مكنوناته السابقة في تحقيق تلك الصلة بينه وبين الواقع الإجتماعي الذي يحمل في طياته صفات وعلاقات أسطورية , ودينية , وأعراف أخرى , يحملها ممتزجة مع التطلعات المعاصرة , إن تلك المرحلة ألتي إنطلق منها الفنان قد حددت سمات أعماله في النحت والرسم في البناء والتكوين لاحقا , برغم التنوعات , فهو يهدف إلى المزج بين التراث والبيئة والطرز المعاصرة على حد سواء , ويمكن القول هي تطبيق للأسس التي وضعها جواد سليم من جانب آخر , وفي مجال الرسم , من حيث تعامله مع الألوان , فإن إستخدامه لزخم الألوان بغزارة أحيانا , وبألوان صريحة , في باب العودة إلى البدائيات , والعفوية الخالصة في مساحات داخل اللوحة كخلفية , أو أضلاع محيطة , تبقى في حدود حيز التعبير من غير زيادة عن الأطر الأنفعالية للتعبير , ولكنها حادة لدرجة الهوس المنفعل .. وغير المكترث بالتداخلات الأخرى .. وهذا مالاحظته في أعماله الأخيرة – خاصة – في معرضه الأخير في قاعة بغداد ..

وفي مجال النحت , فإن الشخوص الآدمية , توحي بخروجها من محنة عصفت بها إلى هذا الحال , متقطعة بعض أوصالها , متهرئة بعض من أجسامهما , كأنها خرجت من براكين , أكلت بعضا منها , فتشوهت وجوهها , وأنغمرت الملامح فيها , إن هذه المتغيرات العميقة .. تمتد إلى رؤية ألفنان المرتبطة بجوانب نفسية وفكرية , تتعلق بهاجسه , عن حقيقة , قد تؤرق الفنان عن مصير الإنسان في زخم الكوارث بين الحياة والموت , بدافع البحث والتحري وهي سمة تؤكد حالة الأنفعال والتوتر الداخلي , ولكن من جانب أخر , هي شخوص قوية ثابتة , متحدية لتلك الكوارث والأزمات , ومخلدة كخلود الروح التي تنبثق من أنشطار قبة الشهيد نحو السمو , والخلود .

لا تعليقات

اترك رد