إلياس كانيتي : ضمير الكلمات

 

فيزا كالديرون، ” يهوديّة إسبانية سمينة وغبية “، ذراعها اليسرى مبتورة، تطبع نصوص بعلها، بينما هو يضاجع في غرفة أخرى إحدى عشيقاته.

ذلك البعل كان إلياس كانيتي، الغول المؤذي، ضئيل الجثّة.

فاز الغول بالأميرة- بتوصيف الناقد الألمانيّ / ميشائيل مار /- ممثّلة بجائزة نوبل للآداب ١٩٨١، ربّما لأنه أضاف لليمونة كلماته المعسولة بعدما عصر قلبه للأميرة.

فيزا كتبت مسرحيّة باسم )غول (، كأنما وصفت فيه زوجها كقزم بغيض.

البغضاء سمة تمثّلها كانيتي، كموهبة منحت القوّة لمنجزه الأدبيّ، لتبدو كراهية منتجة، فيصفه ميشائيل مار بـ ” عدوّ البشر “، فيما أطلق هو على نفسه لقب ” الوطنيّ المخلص للحياة “.

هل من كراهية منتجة حقاً؟

نوبل، منتهى طموح أيّ كاتب، وكانيتي نالها باعتباره مرجعا عن القرن العشرين الذي أمسكه من رقبته.

كان كانيتي صادقاً في ردود فعله، فلم يلتزم بقواعد أخلاقية تتعارض وميوله، رافضا أن يعيش مكرها تحت حالة قهر داخلية.

لم يلتزم بالأعراف الاجتماعية في صداقاته النادرة أو في ممارسة دور الزوج الصالح، أو الابن المطيع لوالدته التي مارست الوصاية عليه في تعلّمه اللغات الأجنبية، فرفض تعويض زوجته العاقر بلعب دور طفلها المدلّل، ليصفها قائلاً:

” كان لسحرها الأسود هدفٌ واحد هو الإنجاب.”.

الأعراف نقيض عزمه على العيش وفقا لتلقائيّته وسجيّته.

أسعد لحظاته كانت مع صدور أعمال زوجته الأدبية، ليقف أمام صورتها،، بعدما اكتملت طفولته مع شيخوخته ، غارقا في نحيب موجع طويل، ثم ّكاد ينتحر حزنا قبل أن يلتقي بزوجته الثانية / هيرا /.

يبدو نقيضاً مقارعا لسلطة القوّة التي قال بها نيتشه، لكن أنانيته كانت كارثة حياته ) باستعارة من نيتشه)، فبدا شرسا، مخلصاً لنداء الحرّية ولقناعاته التي تحوّلت في النهاية إلى حماقة كبرى، تفاقمت مع تجربته المحدودة مع المرأة كمخلوق خيالي،

تجربة أولى مع فيزا، بعد تجربة أساسية مع أمّه التي اعترفت على فراش الموت بخيانتها لوالده.

يقترب كانيتي من نيتشه، بذات القدر الذي يبتعد فيه عنه، لكنهما يتّفقان في تبرير البغض والمودّة، كشكلين للتقدير واستراتيجية بلوغ الهدف، وفقاً لتقلّبات طبيعية شبه دوريّة للأمزجة، يؤكّد ذلك سعي كانيتي لدى اللجنة المانحة لنوبل، لتشويه السمعة السياسية لمنافسيه على الجائزة.

قصر قامة إلياس كانيتي جعلته غولا مخيفا، أمّا شوارب نيتشه فدفعتنا لعدّه شرساً، مع أنّ كليهما حملا وداعةً فائقة في تعاملهما، لدرجة أنّ كانيتي كان قادراً على دفع محدّثه إلى فتح بوّابة أسراره عن طيب خاطر، أما نيتشه فكان القدّيس فرنسيس وكونفوشيوس قدوتين له.

اجتمعت في كانيتي كلّ الصفات الباعثة على الشقاء، والتي حدّدها نيتشه:

الوقاحة وسوء الظنّ والرفض والشقاق في الحياة، لتُظهره عارياً إلا من خرافاته.

تُحضّر فيزا فنجانين من الشاي، فيهمّ كانيتي لتناول فنجانه ثم يتراجع، طالباً استبدال الفنجانين خوفاً من أن تكون قد دسّت السمّ له فيه.

حرّكتهُ بصيرةٌ متنوّرة أبعد ما تكون عن الغريزة العدوانية، كأساس للكراهية وفق تعريف فرويد، ليجد في نيتشه وفرويد، أيقونتين لسلطة القوة.

قال كانيتي عن نيتشه:

” هجوماته هراءٌ مسموم، ولكنّه لا يمكنه فعل شيء ضدّي. أفضّل أن أتخلّى عن حياتي على أن أتخلّى عن حياة أيّ كان، ولو من حيث المبدأ. ”

أفرغ كانيتي ليبيدو الكراهية في مجاراة لـليبيدو الجنسية، لمواجهة نيتشه والسوبرمان الفائق، وتفكيك عرى التلاحم بين جماعة السلطة والأمة، أمّا فرويد فرجمه كانيتي بانتقادات حادّة، واصفا نظرية التحليل النفسي بالبغض.

وعيُ كانيتي بانهيار العالم المتواصل، ثم تعاليه على هذا الوعي جعله مرتع ألم، والكراهية وفقاً لسبينوزا، ألمٌ ناجمٌ عن مسبّب خارجي لا يزول بكراهية مقابلة، بل بالحب كفضيلة عظمى. أما أرسطو فوجدها رغبة في إلغاء ما أصابه عضال الزمن، بينما اعتبرها ديكارت إدراكا لمساوئ ما وجب تركه، بكثير من الحزن.

فرويد يتّفق مع سبينوزا وأرسطو في اعتبار الكراهية رفضاً أوّلياً للعالم الخارجي، ليدّعي في النهاية أنها نرجسية الأنا وغرور ذاتٍ تسعى لتدمير منابع تعاستها.

كارل كراوس كبير كهنة الحقيقة (بوصف جورج تراكل)، أكثر من تأثّر به كانيتي، ليعتبرا القرن العشرين قرنا للتعاسة، ينهار فيه العالم باضطّراد، ويفقدا الثقة بتقدم إنسانيّ مثمر، فيواجه كلاوس ذلك بالتغني بالموت، ليكتب:

” المرء لا يعيش حتى مرّة واحدة …لن يلحق الغربان عوز. ”

أما كانيتي فاستعان بالأسطورة الإغريقية ودلالاتها، على لسان ) بيتر كين( بطل روايته الوحيدة )الإعدام حرقا (:

“بروميثيوس، شيطان. النسر يفترس الكبد. افترس شعلة ناره أيضا. ” .

بروميثيوس سرق شعلة المعرفة من الآلهة ليمنحها للبشر، فعُلّق بين جبلين، وكلّ يوم ينمو له كبدٌ جديد، فيأكله النسر تباعا، ليتواصل عذابه، مثلما هي آلام البشرية وعذاباتها المتلاحقة.

عبّر بيتر كين عن هذيان من يتلبّسه الخوف في وقت يعتبر نفسه مركزاً للكون، فاعتزل الحياة ليحرق نفسه مع مكتبته، بجنون كان سمة القرن العشرين.

وصف كانيتي/ بيتر كين /:

” مأساة كين تعتمد في نهاية المطاف على انهيار أهدافه. الأرض. الحب ودوائر الأزمة. كلّها تهجم عليه. ”

رفض كراوس الخروج إلى الحياة في النهار، أمّا كانيتي فسعى إلى الخلود، بعدما تغلّب على حتمية الموت، ليكتب:

” كان يتمنّى أن يولد في كلّ زمن، وباستمرار، وحبّذا لو يُولد في كلّ مرّة للأبد. ”

وُصف كانيتي بالرجل البغيض، وزرع كراوس شجرة للكراهية. وصف كراوس مسلكه:

” أضربُ جذوراً، حيثما كرهتُ، وأنمو هناك فوق الوقت. ”

كانيتي كتب مقالات شرّيرة في تقريع كراوس، وفرويد وتوماس مان، وقد نجد تفسيراً لذلك في الحسد الأدبي، فيقول كانيتي:

” يمدحُ عن طيب خاطر الناس الذين لن يصلوا إلى تحقيق شيء، لكنّه يُصبح حذراً إذا ما أظهر أحدهم بعض الموهبة. ”

وجد في النجاح أصغر أجزاء التجربة:

” النجاح بطعم مبيد الجرذان. ”

فيتجنشتاين أيضا أثّر على كانيتي، بلغته الساخرة ورؤيته حول الارتباط الوثيق بين الواقع واللغة.

وجد فيتجنشتاين في حدود الفلسفة حدوداً للغة، داعياً للتعبير عن الأفكار بدل مزاولة التفكير، في حقول الدين والأخلاق الغير قابلة للنقاش، لأنه هراءٌ للحمقى.

فيتجنشتاين أمل من اللغة أن تكشف العالم، وكتابه / تحقيقات فلسفية / كان الأقرب لكانيتي فسمّى نفسه / ضمير الكلما
Das Gewissender Wort / الذي سمح له بمزاولة السخرية في تناوله لخطاب الهيمنة، معتبرا نفسه ضحيّة الكلمات كلّها، لعنف ما يقوله.

الكراهية موقف فكريّ نفسي معقّد، غامضٌ، ملتبس، كالأنانية والخوف والغريزة.

وحالة كانيتي، تم توصيفها بالكراهية، بشيء من الاستسهال، خاصة وأنّه عاش في الهامش، كما أراد.

تساءل كانيتي، إن كنّا سنعيش لحظة واحدة، دون أن نمقت شخصاً ما؟، لكنّه لم يحمل خطاباً للكراهية، بل مدركاً أنه سيُتّهم بها، فتمنّى وجود كتابة سرّية ليعبّر عن نفسه بصدق، معلنا صعوبة الاختيار بين الحبّ والعدالة، لأنّه يريد كليهما. كتب في شذراته:

” كاره البشر يجوع ثمانية أيّام، ليأكل بعد ذلك وحيداً. “.

لم يكبت مشاعره ليختنق بها، كغوستاف فلوبير بكراهيته الحائرة، ذلك أن كراهيته لم تكن عمياء ولا حائرة، رغم براعته في التملّص وإخفاء الوجه.

ربما وجبت إعادة تعريف الكراهية لنستطيع إلصاقها برجل واظب على حراسة أمّه وزوجته، لأنّه أحبّهما ونال منه الهلع من فقدانهما بعدما هدّدتاه كلتاهما بالانتحار.

يقول المثل الألمانيّ: ” الحب والكراهية أقارب بعلاقات الدم.”.

فالكراهية حافزٌ مثله مثل الحب، ويمكن التأقلم معها بسهولة. وقد رأى (جاك كارنو) أنّه ثمّة فزعاً أقلّ في الكراهية، مما يوجد في الحبّ، وثمّة إكراهاً أقلّ أيضاَ.

وصف أدورنو الأخلاقيات بالعلم المحزن، نتيجة تشوّهات الحياة بعدما أخذت شكل الطبيعة، ليصبح الإنسان أسير حاجاته اليومية الاستهلاكية، والخراب ليس مصادفة غير متوقّعة، بل نتاج عقل جنح طائشاَ نحو اللا عقل، ليصبح قوة غريزية عنيفة، وكانيتي عاش في زمن عانى بشدة من تلك التشوّهات.

أمّا يورغن هابرماس فاستصعب عقلنة الكراهية من الرأي العام، في حين وجد ماركس إمكانية إلغائها، بتسلّم العمال للسلطة، وعُرف عن كانيتي ميله لاكتساب مزيد من السلطة.

والحسد في الوسط الأدبي، فضاءٌ للبغضاء والكراهية، ولعلّه هو من منح كانيتي لقب / الكاتب البغيض /.
بابا النقد الألماني (مارسيل رايش رانيكي) يؤكّد أنّ:
” الأدباء الألمان يغفرون لزملائهم كلّ شيء عدا النجاح. ”
وكانيتي الذي يُحسب على الأدب الألماني لأنه كتب بالألمانية، يقول:
“الشعراء كالنوارس، عظيمةٌ وهي طائرة، بشعةٌ فيما بينها” .

المقال السابقالخامسة عصراً
المقال التالىالمرأة ضحية ام جلاد؟
عبد الحميد محمد مواليد القامشلي / سوريا إجازة في األداب / قسم التاريخ. جامعة دمشق 1994 دبلوم في التأهيل التربوي من جامعة حلب 2002 مارست مهنة التدريس في ثانويات القامشلي من العام 1997 لغاية 2013 مقيم في ألمانيا منذ العام 2014 وحتى األن. لي دراسة بعنوان )االسطورة: الخلق والتكوين في بالد الرافدي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد