رجب كركوكلي .. تماهيات حروفية واستطيقا الروح … امتزاج بين المعنى والمبنى


 

لابد من الاشارة الى ان الفنون عامة والتشكيل بصورة خاصة لا ينفصل عن تشخيصات الظاهر ومكنونات الباطن ، وإن تشكيل خطاب بصري يعتمد على منظومة بنائية يعد الاساس الرئيس في هيكلة الخطاب برمته ، ولابد أن يستدعي حضورا للمضمون وماهيته الخفية .. هنا نؤكد على وجود علاقة جدلية وحوارية بين تشكيل المعنى والمبنى وكل منهما يتّحدان معا لرصد المنظومة الرؤيوية للخطاب التشكيلي ..
ان الفنان (رجب كركوكلي) يمتلك منظومة عقلية تمظهرت عبر نتاجاته البصرية التي كانت الحروفية العنصر البنائي الرئيس والمرتكز الذي تقوم عليه رؤاه التشكيلية .. انه لا يبحث عن ماهيات المادة بل يتخذ من الروحي مفتاحاً لرصد حيثيات ما ورائية ..
لذا نلحظ ان النتاجات البصرية لديه تاخذ منحاً روحياً ذو ابعاد استطيقية وهنا يكون المعنى المختبئ جزء لا ينفصل من استطيقا الذات التي تراود النفس البشرية ، فالفنان يمتلك منظومة شعورية تزداد رهافة عبر تدفق البعد الروحي الذي ينتاب عقلانيته ويمتزج مع بعده الحدسي ، اذ جعل من ارتقائه نحو عالم مثالي يتجسد في حروفانية السطح التصويري وتشكيلاته البنائية المتعددة .. لذا أَصبح التعبير الفني يمثل رؤية جمالية تحرر الطاقة الحركية الداخلية ؛ بوصفه حدث وممارسة فاعلة تؤكـد مداليل السـطح التصـويري ..
* لقد امتزجت مفردات النص التشكيلي الحروفي بين الكلاسيكية المألوفة في تثبيت القواعد الخطية وبين التحرر من السلطة القواعدية ؛ كي يتمكن من زخ تشكيلات متنوعه من حيث البناء والمعنى الكامن خلفه ، وهنا يكون للنص الحروفي اضطلاع على منظومة بنيوية ذات دلالات تختفي وراء تمظهراته الشكلية عبر وضع حوار يتضمن دواخل النص .. انه البحث عن الحركة التي تنشدها حروفياته داخل النص بهدف منح نوع من التأمل الغارق بشيء من الصوفية .. وهو توجيه لمعنى الادراك البصري والاستبصار الى وحدة شمولية كلية تستمد طاقاتها من خلال مجموعة الاجزاء والعناصر التي كوّنت النص التشكيلي .
* لقد عمل الفنان (رجب) على تجسيد تباينات لاحجام الحرف بشكل يتسم بالتناسب والتوازن والتناسق الذي يحمل مضموناً سياقياً .. وهنا يجعل من التوليفات النصية تحمل استطيقا تتمكن من ترسيخ علاقة جذب بصري للمشاهد وفق ذلك النسق البنائي المتناغم .. وعبر تركيبة البنية النصية لحروفياته نلحظ هناك استقرار لوحداته تمثل من خلال الالتصاق والاندماج الشكلاني انه يمنح النص سرداً بنائياً ربما كان من تداعيات الفنان الذهنية والوجدانية والروحية ، جاء ذلك عبر ارتقاء الفنان وترفعه عن ماديات العالم الحسي ؛ الامر الذي جعله يلجأ الى تجريدات تبسيطية .
* لقد تناول الفنان (كركوكلي) الحروفيات عبر معالجات تكشف عن التراكيب الاستطيقية ، بوساطة التجميع والتركيب ؛ الامر الذي يعطي للمتلقي انطباعات بنائية كلية من خلال الوحدة البنائية وهذا ما زاد في ثراء التراكيب من ارتقائها الجمالي .
* ان استطيقا المعنى والمبنى في الخطاب البصري لدى (رجب) يمثل الارتباط العقلي والروحي للفنان مع هويته الاصيلة التي كانت خير منهل اكتسب منه رؤيته الفنية والروحية ممثلة بالروح العقائدية ، انه يغادر عالمه المادي والحسي بوصفها عائق لما هو عقلي وحدسي بغية النفاذ الى جوهر الماديات .. لقد اهتم الفنان بسمو الجمال الروحي المجرد من حسيات الوجود فكانت الحروف العربية طاقة ممتلئة بالانفعال الوجداني والتامل الروحي ، وهنا اقام علاقات بنائية متينة استطاعت ان تجسد صيرورة لا متناهية عبر التكرار والتواشج والتوازن والنسق النظامي المعبر عن صور الجمال المطلق .. ولتعزيز التواشج بين الوحدات البنائية المكونة للخطاب التشكيلي ولغرض الوصول الى نوع من الايقاعات الموسيقية المعبرة عن حدس وتخيل الفنان الذي استفاض عبر ممارسات استطيقية وبتعبير رؤيوي ومعالجاتي لكل ما هو جميل وبغية الوصول الى اشكال تكوينية لها القدرة على اسقاط مدلولاتها على ادراك المشاهد ، اقام الفنان استطيقاه الكلية والشمولية بأشكال وتراكيب تجريدية بمنحى تعبيري تمثل روح الانتماء للتراث والهوية المفعم بالجمال المطلق .
* ان التأثيرات الحركية والبصرية لاشكال الحرف العربي وانسيابيته ومرونته هي التي كونت المرتكز الاساس والتعبير الفني الجوهري لكل افكار وبناءات الفنان .. وهذه الرؤية التعبيرية تعد جامعا لتأثيرات التشكيل التقليدي الذي يعتمد على الهندسية والتصميم الى جانب تحقيق الحركة على السطح البصري مكونا تراكيب واشكال متحركة تكتمل عند مشاركة وتأمل المتلقي اليها .
كما نلحظ تمكن الفنان (كركوكلي) من وضع لمسات تقنية من خلال توظيف مواد مختلفة تمنح النص رؤية جمالية فضلا على طريقة الكتابة التي تعطي للنص ارتقاء عبر كلاسيكية القواعد ، لتكون سيادة الشكل الحروفي وتكويناته تتوسط – في بعض الاحيان – النص التشكيلي من خلال ترميز ايقاعي وحركي يلف المشهد بانسيابية .. وهنا أنعكست رؤية الفنان الذاتية في سمات خطابه التشكيلي عبر اعادة صياغة الاشكال والتراكيب الحروفية للخط العربي وظهورها على السطح البصري .. اذ ظهرت تلك الحروفيات بشكل فاعل يبرز العمل ضمن توظيف تحركات التراكيب الشكلية .. انها دعوة للتمعن والخوض في غمار الاكتشافات والتعرف على الايقاع والتداخل بما يولد فضاءات مشتركة ومتداخلة بصياغة الحرف العربي بطريقة الكتابة الكلاسيكية المألوفة صياغة متقنة .. وهنا اعطى الفنان خطابه لغة سيميائية ذات دلالات روحانية ، انه يعمل على ايجاد حوارية بين التكوينات الشكلانية الخطية والفضاء من خلال رصد الايقاع النغمي المنسجم مع استطيقا النص الشمولي .. اذ ان التراكيب التكوينية للاشكال النصية استجابت للايقاع ضمن تركيبة ممتدة من مركز العمل الى اطرافه عبر وحدة كلية لا تتقاطع مع تفصيلاتها .. ان هذا الايقاع يحاكي الروح الكامنه في النغم الموسيقي وما تحدثه من دهشة جمالية خالصة تحرك مجموعة التكوينات المتراكبة وفق منظومة نسقية بنائية ..
* ان المنظومة البنائية وفق رؤية الفنان النسقية ذات المنطق العقلي الرصين الممتزج مع روحانية الحرف ولد فضاءات مشتركة فكل تلك التاسيسات تعد رموز واحالات لمشاهد فكرية تحمل قيم الروح الاسلامية انطقها الفنان بلغة تشكيلية مجردة على وفق انساق جمالية يغادر فيها الفنان من كل عوالق العالم المادي الى عوالم لا مرئية بتراكيب تسطيحية معطيا اياها دورا فعالا في استحضار الجمال من خلال تحررها المادي واختراقها الحواجز واستهدافها الجوهري وصولا الى اللامرئي وهي تحاكي الفعل الرؤيوي للجمال المطلق .

شارك
المقال السابقمقاربات سينيسردية في برج المطر
المقال التالىصورة تاريخية أمام مرقد النبي يونس
الدكتور قاسم جليل الحسيني ، مواليد 1970 – دكتوراه تربية تشكيلية - عضو نقابة الفنانين العراقيين منذ عام 1988- عضو جمعية التشكيليين العراقيين – معرض اول عام 2008 على قاعة ملتقى الاكاديميين والاساتذة الجامعييين – مشارك في العديد من المعارض داخل القطر وخارجه – وحاصل على العديد من الشهادات التقديرية – مش....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد