كيف نقرأ لوحة الانتخابات الإيرانية؟

 
الصدى - الانتخابات الايرانية

يعتقد البعض أن الانتخابات الإيرانية مجرد شكل مظهري لا قيمة له، لأنها سوف لا تغير من طبيعة النظام الشمولي، مثله مثل الأنظمة الشمولية الاشتراكية سابقاً، التي كان فيها انتخابات ودساتير وبرلمانات، ولكنها لم تتغير إلا بحراك شعبي وظرف تاريخي دولي يكاد يكون استثنائياً. في حين هناك من يعتقد أن التغيير لكي يصل إلى مرحلة الحسم، أو ما يسمى «باللحظة الثورية»، بحاجة إلى مران وتراكم وتطور وطول نفس. وحتى ما يبدو الآن «نقراً في السطح»، فقد يصل بالتدريج إلى «حفر في العمق». والمطلوب هو تغيير نمط التفكير والعلاقات وطبيعة النظام وتوجهاته الأساسية.

بين التشاؤم المحبط، والتفاؤل المفرط، فإن صخرة الواقع تبقى صلدة، وهي التي تشير إلى أن التغيير حاصل، وذلك من طبيعة الأشياء، سواءً كان آجلاً أو عاجلاً، جزئياً أو كلياً، من داخل المؤسسة الحاكمة أو من خارجها، سريعاً أو بطيئاً، لكنه سيحدث لا محال، إذْ إن بقاء الحال على ما هو عليه والقديم على قدمه غير ممكن، بفعل الحراك الشعبي الداخلي.

يكفي أن نشير إلى تبلور تدريجي لتيار إصلاحي معارض للتوجهات السائدة، وهذا التيار ساهم في وصول محمد خاتمي إلى الحكم في انتخابات رئاسية لدورتين 1997-2001 و2001-2005 وقد تنبّه التيار المحافظ الذي يقبض على السلطة السياسية، ممثلة بالجيش والحرس الثوري والقضاء، فوجه ضربة له، بإبعاد مير حسين موسوي الذي شكل تحدياً حقيقياً لما هو قائم في انتخابات العام 2009، والذي فرضت عليه الإقامة الجبرية في العام 2011 وإلى الآن.

أربعة مجالس وفوقها الولي الفقيه من يستطيع أن يمنع عجلة التغيير من الدوران، وإن كان لحين، أو أن يعطلها كلما أرادت أن تدور بسرعة أكثر من المطلوب، وإن كان الصراع يجري حول هذه المجالس أيضاً بين التيارين. المجالس الأربعة هي: مجلس الشورى، وعدد أعضائه 290 ومهمته أقرب إلى المهمة البرلمانية في التشريع والرقابة. وقد فاز الإصلاحيون بنحو ثلث المقاعد فيه، ولاسيما في طهران العاصمة التي حصلوا فيها على 30 مقعداً. ومن المؤشرات المهمة هي خسارة نحو 70 من المحافظين المتشددين مثل غلام عادل، رئيس مجلس الشورى السابق، علماً بأن المرشد الأعلى علي خامنئي متزوج من ابنته، ومهدي كوجك زاده. كما خسر في الانتخابات محمد يزدي ومحمد تقي مصباح يزدي، والأخير هو من كان يقف ضد دعوات التسامح والانفتاح في فترة حكم خاتمي ووزير ثقافته عطالله مهاجراني، ويعتبر يزدي منظراً لأحمدي نجاد الرئيس السابق. وعلى الرغم من فوز المحافظين بما يزيد على ثلث مقاعد مجلس الشورى، إلاّ أن نسبة الإصلاحيين ومعهم المستقلين وبغض النظر عن خلافاتهم، تساوي نحو ثلثي أعضاء المجلس.

المجلس الثاني هو مجلس الخبراء الذي يضم 88 عضواً وينتخب كل 8 سنوات، أي أن الانتخابات المقبلة ستكون في العام 2024، ولهذا المجلس دور مؤثر، وقد حاول الإصلاحيون إحراز فوز فيه، لكنهم لم يتمكنوا، وحصلوا على نحو ثلث المقاعد، في حين أن الثلثين ذهبت إلى خانة المحافظين المتشدّدين.

ويُدعى المجلس الثالث «مجلس صيانة الدستور» وتتلخص مهمته في التدقيق بأهلية المرشحين للمجالس وفقاً للدستور وبالمصادقة على نتائج الانتخابات. وقد قام في الانتخابات الأخيرة بمنع نحو 6 آلاف مرشح من الترشح للانتخابات «الشوروية»، وهذا الرقم يعادل نصف المرشحين المتقدمين للانتخابات، كما قام برفض نحو 70% من المتقدمين للترشيح لمجلس الخبراء، بمن فيهم حفيد الخميني (حسن الخميني).

ويسمى المجلس الرابع «مجلس تشخيص مصلحة النظام»، وهو أقرب إلى مجالس «قيادة الثورة» في أنظمة دول التحرر الوطني كما كنا نطلق عليها، و«المكتب السياسي» في الأحزاب الشيوعية، ولاسيما الحاكمة في أوروبا الشرقية، فهو الذي يختار المرشد الأعلى، أي ولي الفقيه، المطلق الصلاحية، وبالمناسبة فقد تقدم خامنئي بطلب لاختيار منصب نائب الولي الفقيه من الآن، لكي يحل محله فيما إذا غاب لأي سبب كان، خصوصاً أن وضعه الصحي ليس على ما يرام، كما يُقال، مع أن مثل هذا الأمر يمكن أن يتغير في اللحظة الأخيرة، كما حصل عقب رحيل الإمام الخميني، حيث استبعد نائب الولي الفقيه آية الله حسين علي منتظري وفرضت عليه الإقامة الجبرية، وتم اختيار خامنئي (إمام جمعة طهران سابقاً).
ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى أن الولي الفقيه يعتبر نائباً عن الإمام الغائب «الحجة» أو «صاحب الزمان»، ونائبه هو نائب النائب، وحكمه ينبغي أن تخضع له المراتب السياسية والدينية والاجتماعية في الدولة وخارجها، ولكل من يعتقد بالتبعية لهذه النظرية، ومع ذلك فالسياسة هي السياسة، تلعب فيها المصالح والأهواء وتوازن القوى، وليس المبادئ والقيم والجوانب الإنسانية.

إن عودة التيار الإصلاحي إلى الواجهة بعد هزيمة موسوي في العام 2009 يعني تصاعد الصراع في مرحلته الجديدة ما بعد تسوية موضوع الملف النووي، وهذا التيار سبق له أن دعا إلى الثورة الخضراء، أي الانتقال السلمي والمدني واللاعنفي، حتى إن لم يقصد إلى ضفة أخرى، لكن مسار الأحداث لا أحد يستطيع أن يتحكّم فيه، فالثورة عندما تبدأ لا أحد يستطيع التكهن باتجاهها. وعندما تندلع وتعم، لا أحد يستطيع التنبؤ كيف، ومتى، وأين ستحط رحالها. وهكذا هي عمليات التغيير والانتفاضات والثورات في كل مكان.

التغيير في إيران يحتاج إلى تراكم داخلي طويل بالدرجة الأساسية والحاسمة، ومدني وسلمي بالدرجة الأولى، وهذا يعتمد على سكان المدن، خصوصاً طهران التي تضم نحو 20% من سكان إيران البالغ عددهم 80 مليون إنسان، فالريف لا يزال مرتعاً للمحافظين والمتشدّدين، والمجاميع الثقافية غير الفارسية حتى إن كانت مقموعة، سواء إثنياً أو طائفياً، فإن التغيير لا يبدأ منها، وإنْ كان سيشملها وسيكون دورها مهماً فيه، علماً بأن أغلبيتها تعيش على الحدود أو خارج الحواضر الأساسية: مثل العرب والآذريين والتركمان والبلوش والأكراد وغيرهم. وهؤلاء مع وجود ما يزيد على 10% من السنة يشعرون بالتهميش، لكن التغيير سيأتي من المدن.

ومع كل انتخابات تزداد ملامح الصراع الداخلي وضوحاً، ولعل انتخابات الرئاسة التي ستجري بعد 15 شهراً (في العام 2017) ستكون مؤشراً جديداً على تبلور الصراع بين التيارين الإصلاحي والمحافظ.

من يعتقد إن بالإمكان حسم الصراع سريعاً في إيران، فقد يكون متفائلاً أكثر من اللازم، كما أن من يعتقد إن التغيير مستحيل فقد يكون متشائماً. التغيير قادم لكنه بطيء وتدريجي ويحتاج إلى المزيد من التراكم، والأزمة قد تكون طويلة وممتدة ومتشعبة ومعقدة، فإضافة إلى التحديات الداخلية، هناك التحديات الخارجية متمثلة ب: ما بعد الملف النووي والتدخل في سوريا، والدور الإيراني في لبنان، والهيمنة في العراق، والنفوذ المتعاظم في اليمن، والعلاقة السلبية مع دول الخليج، ولاسيما المملكة العربية السعودية، الأمر الذي يدعو الكثير من دول العالم، ولاسيما في الغرب إلى القلق من تعاظم الدور الإيراني، الذي يعتبر عنصر توتر وعدم استقرار في المنطقة، إضافة إلى العناصر الأخرى، مثل الصراع العربي – «الإسرائيلي» المعتق، حيث لا تزال سياساتها متشددة ولديها طموحات أيديولوجية ومذهبية غير خافية، وبقدر ما تبدو عقائدية فهي سياسة براغماتية، وهي واقعية بقدر ما هي تطلب المستحيل، لأنها نموذج للدهاء والمكر والدبلوماسية التي تجمع التناقضات، وتُظهر غير ما تُبطن.

المقال السابقبرلماني!
المقال التالىوطن بالايجار
المفكر عبد الحسين شعبان مفكر وباحث عراقي متخصص في القضايا الاستراتيجية العربية والدولية درس وتعلّم في النجف وبغداد وتخرج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بغداد واستكمل دراسته العليا في براغ حين نال درجتي الماجستير والدكتوراه (مرشح علوم) في القانون (دكتوراه فلسفة في العلوم القانونية). عضو ف....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد