بابا أوسو يضفي أجواء الفرح على جوهرة ساحل سوسة !


 

تعيش هذه الأيام مدينة سوسة , جوهرة الساحل التونسي على وقع عرسها السنوي , حيث تحتفل بالصيف وبمهرجان أوسو وكرنفاله المشهور الذي يعد من أهم الكرنفالات العالم وربما من أقدمها . وها قد انطلقت فعاليات دورته ال58 من يوم الاربعاء 19 جويلية ( يوليو) ليتواصل الى غاية 27 جويلية الجاري , تحت شعار “تونس بلد السلام والأمان “. فمن هو “بابا أوسو ” ؟ وهل يعود مهرجان أوسو وكرنفاله الى العهود القديمة ؟ هل يعد من أهم الطقوس والعادات التاريخية التي حافظ عليها أهالي مدينة سوسة ؟

لاشك أن مهرجان وكرنفال “بابا أوسو “ليس مجرد استعراض وموسيقى ورقص , بل هو تاريخ وذاكرة شعبية وتراث , يلتئم كل عام وفي ذات التاريخ تقريبا منذ 58 عاما ” استعراض أوسو ” , وهو الاه البحر حسب الأسطورة الاغريقية والذي يفضل أطفال سوسة وأهاليها تسميته ب “بابا أوسو ” .

ولا غرو أن سوسة جوهرة الساحل تحتفل كل سنة بعرسها وبمجئ “بابا أوسو” وكرنفاله المميز الذي يجلب السياح والزوار بالآلاف . فسوسة تتزين لاستقبال الاه البحر على شاطئ بوجعفر , حيث كان يقام هذا الكرنفال منذ العهد الفينيقي على شرف ” أغسطس ” الاه البحر الذي يتواجد , حسب الذاكرة الشعبية , في هذه الفترة من كل عام لرعاية المصطافين الذين يؤمون بحر سوسة من أهاليها وضيوفها وفي حماية أوسو . ولعل “بابا أوسو “من أهم الأشكال التي تعبر عن الثقافة الآمازيغية في تونس , باعتباره الاه الفصول الآمازيغي ويتكون اسم “أوسو” من كلمتين أمازيغتين هما “أوي” بمعنى “خذ” و”سو” بمعنى “عملية الشراب “, ويعرف موسم الصيف القانط بالرطوبة العالية في المدن الساحلية ,

مما يجعل الانسان يفقد فيه كثيرا من السوائل والأملاح , وهو ما يتوافق مع انهاء أعمال الزراعة والفلاحة ويتطلب الراحة والاستجمام وشرب كثير من الماء, ويطبخ فيه الأمازيغ عصيدة الحلبة ويذهبون فيه للبحر مع عائلاتهم ودوابهم لاسيما الأغنياء , ويذكر كبار السن خاصة في منطقة الساحل كيف أن الناس قديما كانوا يتخبطون وهم يسبحون في شافة البحر , هي الفرصة الوحيدة لهم في السنة للسباحة ولا يسبحون الا في مدة أوسو وكان الصيادون فقط يحتكرون السباحة .

لهذا يعد احتفال أوسو في سوسة وبشط بوجعفر امتدادا لتقاليد الماضي السحيق , وهو احتفال تعود عليه ابناء سوسة وزوارها , حيث حافظ أهالي جوهرة الساحل على عاداتهم وطقوسهم الخاصة باحتفالات ” أوسو ” التاريخية وذلك بالحرص على السباحة في البحر في الفترة الممتدة بين 24 جويلية (يوليو) الى يوم 13 أوت ( أغسطس) من كل سنة اعتقادا منهم بأنها شفاء ووقاية لهم من الأمراض طوال الشتاء وسكينة للروح ” يا بحر أوسو نحيلي (أزل) الداء اللي نحسو ( الذي أشعر به ) ” . وبالتالي تحرص الأمهات على أخذ أطفالهن الى البحر للسباحة لمدة “سبعة أيام ” خلال تلك الفترة , كما يحرص الكبار في السن على السباحة في ساعات مبكرة وقبل شروق الشمس لاعتقادهم بأن السباحة في تلك الساعات الأولى من الفجر تشفي من كل الأمراض .

ويتم تجسيد الأسطورة ” أغسطس ” من خلال تمثال رجل وسيم ملتح ذي شعر طويل يقام على كرنيش بحر “بوجعفر” الشهير في سوسة ويحرص الأطفال على التقاط الصور معه قبل مغادرته المكان والرجوع الى أعماق البحر حسب مخيلة الأطفال بعد 13 أوت ( أغسطس) من كل عام .

هكذا تجري هذه الأيام الاستعدادات على قدم وساق لأبرز تظاهرة لمهرجان أوسو , ألا وهو كرنفال ” بابا أوسو ” الذي سيجوب أبرز الشوارع السياحية لمدينة سوسة , والذي سيقام يوم 26 جويلية انطلاقا من رصيف الفنون المحاذي للميناء التجاري وصولا الى الطريق السياحية الرئيسية كورنيش بوجعفر مرورا بشارع الحبيب بورقيبة . وما يميز هذه الدورة هو عودة حفل اطلاق الشماريخ الذي سيسبق الكرنفال وذلك بمناسبة الاحتفال بعيد الجمهورية , بعد غياب دام تقريبا سبع سنوات , في سهرة يوم 25 جويلية بشاطئ برج خديجة بسوسة اثر الحصول على موافقة المصالح الأمنية المختصة , ومن المنتظر أن يواكب أكثر من 300 ألف شخص هذه السهرية .

وكالعادة يتضمن هذا المهرجان فقرات تنشيطية واستعراضية متنوعة , تجعل من مدينة سوسة جوهرة الساحل التونسي منطقة جذب التونسيين والزوار من مختلف المناطق ومن الدول الشقيقة والأجنبية , في أجواء يغلب عليها المرح والسرور .

ككل عام تؤكد سوستنا على أنها جوهرة المتوسط ولؤلؤة جنوبه وريحانة شمال افريقيا , فهي باقية ان شاء الله على الدوام عاصمة المحبة والسلام والأمان والأفراح .

لا تعليقات

اترك رد