الخامسة عصراً

 
(لوحة للفنانة رولا حمدي)

مرّة أخرى..من سيشكر من؟
أعتقد بأنّنا كنّا نحتاج إلى عناق طويل، أشعر بأنّ ما نحياه هو المستقبل الذي لم يأت بعد، فأنا واثق أنّي عاثر عليكِ يومًا، لا بدّ أن ألتقيكِ يهمس ليقلبي دومًا، أبحث عنكِ وأكاد أصرخ: انتبهوا.. إنّها زنبقتي البريّة وأنا سنديانها وفيء زيتونتها. ذكراكِ هي من منحني أوسمة الحبّ والدّهشة والاحترام، إنّها أوسمة العشق.. أؤمن بأنّ أقدارنا ليست بأيدينا، فدعيها إذًا لأحراش الصّنوبر فالطّبيعة لا تخدع، إنّها تبعث الطّمأنينة في الأرواح المعذّبة، لن أتوقّف عن البحث عنكِ بالتّأكيد، ألستِ أنتِ رفيقة وحدتي أيضًا؟ألستِ من تتفقّد وضع رأسي على الوسادة وغطاء نومي؟ ألستِ ربيعًا يرافقني في خريف عمري؟

الخامسة عصرًا الآن، هل ما زلت تقفين عند النّافذة وتستمعين لأمّ كلثوم،بهيّة أنت، والخامسة هي وقت رياضة الرّوح، أتأمّل نوركِ بعد يوم متعب،أستمع لما تهمس به عيناكِ وروحكِ، وأنتظركِ من جديد.

مساء الأمس كنت بانتظاركِ، نمت طويلا فقد شعرت بحاجة ماسّة للنّوم،لم أذهب لأيّ فعّاليّة فنّيّة أو أدبيّة.. حين هبط الظّلام إرتديت لباسي الرّياضي ومشيت حوالي خمسة كيلومترات وأنا أتصبّب عرقًا، خرجت دون أن أترك الفوضى خلفي، فقد إعتدت في غربتي أن أعلّق ملابسي، أنظّف منفضة لفافات التّبغ، أغسل فنجاني، وأثناء سيري شعرت بحاجة لقليل من السُكّر، دخلت إلى مطعم وأكلت قليلاً من الكنافة وواصلت المسير، نظراتي على الغرب المسلوب، أرى أنوار السّاحل المغتصب من بعيد،كان طيفكِ يرافقني يحاورني طويلاً، الجوّ حارّ أكثر من المعتاد، أخذت حمّامًا باردًا عند عودتي، صلّيت العشاء وأعددت القهوة، لأكتشف بأنّك قد أعددتها أيضًا، لابأس الليل طويل وسنشربها معًا، القهوة تذكّرني بإبنتي الوحيدة الرّائعة،كانت تصرّ أن تعدّها لي حين ألتقيها هذه الجميلة النّحيفة، ذات الشّعر الكستنائيّ المنسدل على كتفيها والعينين الخضراوين الممتزجتين بقليل من الزّرقة، أراها مرّة في السّنة لا غير حين تتمكّن من زيارتي، هو قدري، لكنّها تذكّرني بكِ دومًا..

حان وقت نومي حيث إنتصف ليلي، لعلّ طيفكِ يزورني في منامي، يشدّمن أزري لأواصل البحث عنكِ من جديد.

* من كتاب أطياف متمردة للكاتب زياد جيوسي من منشورات دار فضاءات/ الأردن

المقال السابقاسطاطيقا للاستيعاب الجمالي والفكري
المقال التالىإلياس كانيتي : ضمير الكلمات
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد