الدُرر الخَفية فى العُصور الملكية


 

_ نعم.. كانت شوارع العاصمة تُغسل يومياً بالماء والصابون، وكانت خطوط وصيحات “الموضة” تنطلق من القاهرة قبل باريس ولندن (التى كانت مدينة لمصر وقتها بثلاثة ملايين جنيه استرلينى)، وطبقاً للإحصاءات كانت نسبة البطالة فى مصر ٢٪!!، وكان سعر الجنيه الذهب ٣٨ قرشاً، أما الدولار فكان بـ٢٥ قرشاً، وكان تاكسى العاصمة عبارة عن سيارة “كاديلاك” أمريكية، وفى ذاك الوقت حصلت القاهرة على جائزة أحسن مدينة فى العالم!
_ لا تندهش.. ولا تطلق خيالك ليسافر عبر الزمن متجولاً فى شوارعها الراقية وميادينها البديعة، وألجِمهُ قبل أن يغبط أهلها أو يحسدهم لأنهم يعيشون فى جنة الأرض، وبعد عودته من رحلته.. فقط وجه له سؤالاً: كيف رأى حال غالبية المصريين عندما كانت تظهر الموضة فى مصر قبل أوروبا؟وماذا كان مشروعهم القومى الذى اتجهت صوبه الأنظار وتاقت له الأنفس؟
_ وقبل أن يجيبك هو.. أجلسه إلى جوارك واستأذنه أن يترك لنا مهمة الإجابة.

_فهل يتخيل هو ومن يتغنون بالعصر الملكى الذى كانت تظهر فيه “الموضة” قبل أوروبا أن المشروع القومى فى ذلك الوقت كان القضاء على الحفاء؟!!.
_ ألم تكن شوارع القاهرة الجميلة النظيفة بمبانيها الراقية والتى تُعزف على نواصيها الموسيقى، عبارة عن “كمبوند” مفتوح لا يجرؤ غالبية المصريين على الإقتراب منه إلا خُداماً وعاملين.

إنني أندهش من التصورات الساذجة والأحكام السطحية التي يُصدرها البعض هذه الأيام ـ بحسن أو سوء نية ــ حول الأوضاع في مصر قبل ثورة 23 يوليو، والعبارات التي يرددها هؤلاء من عينة: «الموضة كانت تظهر في مصر قبل باريس»، أو «بريطانيا كانت مدينة لمصر أيام الملك»، وغيرها من «الخرافات» التي نسمعها كثيراً فى السنوات الأخيرة.

_ وهنا أود أن أتوقف عند أمرين: الأول أن مصر أقرضت بريطانيا مبلغـاً ضخمـًـا يعادل الآن 29 مليار دولار أمريكى!!.. فى إشارة خادعة إلى أن الحياة أيام الملك كان لونها «بمبى».

_ ولمن لا يعرف أو وقع فريسة لهذه الأكاذيب، فإن الديون البريطانية التى تقول الوثائق إنها 3 ملايين جنيه استرلينى، لم تكن نتيجة قوة الإقتصاد المصرى بل كانت قيمة ما حصلت عليه بريطانيا عنوة ــ بالقوة ــ من محاصيل وسلع وخدمات أو مقابل استخدام الأراضي المصرية أثناء الحرب العالمية أو على سبيل التعويضات التى كان من المفترض أن تؤديها بريطانيا لصالح أهالى عشرات الآلاف من المصريين الذين انـتُـزعوا من أرضهم وساقهم الباشاوات مسلسلين فى القيـود، للإشتراك فى الحرب، فماتوا ودُفنوا خارج مصر.
_ وبعيدًا عن تنازل الحكومة المصرية عن هذه الديون كما نشرت جريدة الأهرام عام 1922.. أو عدم تنازلها، فالثابت أن مصــر لم تطالب بها لمدة 30 عاماً قبل الثورة.. وأغلق الملف بعد تأميم قناة السويس.
_ فلقد كان الإقتصاد المصرى قبل ثورة 23 يـوليو متخلفـًــا وتابعاً للاحتـكارات الرأسمالية الأجنبية، يسيطر عليه بضع عشرات، أو مئات على أقصى تقدير، وكانت نسبة البطالة بين الـمصريين 46% من تعداد الشعب، فى الوقت الذى كان يعمل فيه الغالبية فى وظائف دنيا ــ سُعاة وفراشين ــ وكانت آخـر ميزانية للدولة عام 1952 تظهــر عجزًا قــدره 39 مليون جنيه، فى حين كانت مخصصات الإستثمار فى المشروعات الجديدة طبقـاً للميزانية سواء بواسطة الدولة أو القطاع الخاص صفراً.

_ ظُلم وقهر وسوء توزيع لثروات الوطن وغياب للعدالة الإجتماعية، نسبة الفقر والأمية بلغت 90% من أبناء الشعب المصرى، ومعدلات المرض حققت أرقامـاً قياسية حتى أن 45% من المصريين كانوا مصابين بالبلهارسيا، وغيرها من مختلف الأمراض التى تنتج عن سوء التغذية، هذا فى الوقت الذى كان فيه بذخ وسفه الملك وأسرته والسيدة والـــدته وحاشيته مثـار حديث صحـف ومجلات العالم، ناهيك عن فضـائحهم الجـنسية.
_وهناك دراسة للمؤرخ الكبير الراحل د/ رؤوف عباس بعنوان: «الحركة الـوطنية فى مصر 1918ـ1952».. يوضح فيها: (كانت نسبة المعدمين من سكان الريف تبلغ 76% عام 1937، وبلغت نسبتهم 80% من جملة السكان عام 1952.

وكانت “البروليتاريا المصرية” _الطبقة الكادحة_ بشقيها: الريفى والحضرى من أبشع الطبقات الإجتماعية معاناة من الأزمة الإقتصادية التى تفجرت في العالم الرأسمالى في نهاية العشرينيات بعد أن امتدت آثارها إلى مصر.

_ ويذكر «هارولد بتلر» خبير مكتب العمل الدولى فى تقريره.. أن الأجر اليومى للعامل غير الفنى في مارس 1932 كان يتـــراوح بيــن 7-12 قرشـاً، بينما أجر العامل الفنى كان يتراوح بين 20-30 قرشـاً، وأجـر العـامـل الحرفى بين 6-8 قروش، وبلغ أجر الحدث خمسة قروش فى الأسبوع.

_ وتفاقمت المسألة الإجتماعية تفاقمـاً كبيراً، نتيجة سوء توزيع الثروات وغياب السياسات الإجتماعية.. ولا أدل على ذلك من استمرار الهبوط بمتوسط دخل الفرد من 9.6 جنيه فى العام خلال الفترة 1935-1939 إلى 9.4 جنيه خلال سنوات الحرب العالمية الثانية على أساس الأسعار الثابتة أي الأسعار الحقيقية مع استبعاد عامل الإرتفاع الملحوظ فى الأسعار.

_ وإذا أمعنا النظر فى كيفية توزيع الدخل القومى لوجدنا 61% من هذا الدخل يذهــب إلى الرأسماليين وكبار الملاك.. فقـد قُـدِّر الدخل القومى عام 1954 بمبلغ 502 مليون جنيه، ذهب منه ما يزيد على 308 ملايين جنيه على شكل إيجارات وأرباح وفوائد، بينما نجد متوسط أجر العامل الزراعى فى العام لا يزيد على أربعة عشر جنيها وفق إحصاءات 1950.. وإذا أخذنا فى الإعتبار إرتفاع تكاليف المعيشة لكان الأجر الحقيقى للعامل الزراعى لا يتجاوز ثلاثة جنيهات فى العام، كما أن متوسط الأجر السنوى للعامل الصناعى لا يزيد على خمسة وثلاثين جنيها، أى ثمانية جنيهات أجراً حقيقيـاً فى العام الواحد.

_ وقد قَدّْرت مصلحة الإحصاء عام 1942 أن ما يلزم للأسرة المكونة من زوج وزوجة و«4» أولاد لا يقل عن 439 قرشـاً فى الشهـر طعامـاً وكساء وفـق الأسعار الرسمية، لا أسعار السوق السوداء التى كانت منتشرة فى ذلك الوقت.

_ ومع هذا فقد كان متوسط الأجر الشهرى للعامل في عام 1942 لا يتجـاوز 262 قرشـاً فى الشهــر؛ أى أن الأغلبية الساحقة من الطبقة الكادحة فى المدن كانت تعيش دون الحد الأدنى للكفاف بمقدار النصف تقريباً، أما أقرانهم من أهل الريف فكان حالهم أسوأ.
_ هذا فى الوقت الذى ارتفعت فيه الأرباح الموزعة فى الشركات المساهمة فى مصر من 7.5 مليون جنيه عام 1942 إلى قرابة 20 مليونــاً فى عام 1946، ذهب أغلبها إلى جيوب الرأسماليين الأجانب وشركائهم الصغار من المصريين.،
_ كما ارتفعت إيجارات الأراضي الزراعية من 35 مليون جنيه عام 1939 إلى 90 مليونــاً عام 1945 ذهب معظمها إلى جيوب كبار ملاك الأراضى الزراعية، فضلا عما حققه هؤلاء من أرباح طائلة من وراء بيع الـمحاصيل التي أنتجتها أراضيهـم التى كانت تـــــزرع (على الذمــة).

_ تلك الدراسة قـيِّمة ودالة وتُخـرس كل الألسنة.. أدعوكم لقراءتها، فهى إحدى الدراسات المنشورة فى كتاب: «ثورة 23 يوليو 1952 دراسات فى الحقبة الناصرية»، الصادر عن مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية.

_ الأمر الثاني: عن «الملكيون أكثر من الملك»وبجهلٍ شديد، يسوقون فى إطار دفاعهم عن الحقبة الملكية مبررات من عينة: انظروا للقاهرة وكيف كانت شوارعها نظيفة وكيف كان هناك أوبرا وسينمات وحدائق ومطاعم.. إلخ.،
ويتناسى أو يتجاهل هؤلاء أن القاهرة التي يتحدثون عنها، بل مصر بأكملها كانت حكراًعلى الباشاوات والبكوات والجاليات الأجنبية، وهؤلاء هم من كانوا يدخلون الأوبرا والسينمات ويستمتعون بالحدائـق الغَـنَّاء.،
وإذا ظهر أحد المصريين البسطاء فى محيط هذه الشوارع، فهؤلاء من الخدم والحاشية ممن أنعم الله عليهم بنعمة العمل خادمين عند أحد الباشاوات!.. بل أكثر من ذلك.. فقد كانت هناك شوارع فى القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية حكراً على الأجانب يُمنع المصريون من دخولها، حتى لا يعكروا مزاج السادة الباشاوات والخواجات.،
تمامـًا كما هي الآن الأحياء الفخمة المليئة بالقصور والفيلات، التي يصعب على أمثالنا السكن فيها، أو ربما الاقتــراب منها.. وقد يـدخلها من حين لآخر بعض الفقـراء من ذوى الحِرَف لأداء مهمة سريعة ويغادرونها فور انتهاءهم مباشرة.

_وتجدر الإشارة إلى أن الباشاوات الذين يعيشون عيشة رغدة كريمة وكانوا يرتدون أحدث الموديلات قبل أن تظهر فى أوروبا، كان منهم أهل الخير ممن يمنحون الخـدم والحـشـم بواقى الطعـام وبواقى الملابس وأشياء أخرى.

_ فمن الموضوعية أن نُعطى للأجيال المعاصرة الحقيقة كاملة أو بأكبر درجة من الصدق ..أن نقدم الصورة بكل ما فيها من حُسن ومن قُبح ..وإلا صار الأمر غشاً وتدليساً .،
_ والسؤال الآن لك عزيزى القارئ.. هل كانت الصورة أيام الملك فاروق كذلك مثلما يعرضها البعض قصداً أو جهلاً؟ نحن لا نكذبهم فيما يذكرونه عن حال القاهرة وقيمة الجنيه أيامها والتاكسى الكاديلاك والموضة ..إلخ، _ ولكن هل هذا هو كل ما كان وقتها؟..ألم يكن هناك ملايين الفلاحين البؤساء ومنهم عمال التراحيل الذين أضناهم الفقر والحرمان وأرهقتهم البلهارسيا وغيرها من أمراض سوء التغذية؟وأُذكِر من يتغنى بنظافة وجمال القاهرة أيام الملك أنه كان هناك مشروع قومى سُمي “مكافحة الحفاء “..لأن الآلاف من المصريين كانوا يسيرون حُفاة ليس هواية أو “موضة” أو حُباً فى الحفاء ..ولكن لأنهم لا يملكون ثمن حذاء أو “شبشب ” رخيص يقيهم شر ومشقة الحفاء ..فى الوقت الذي ..يصرف فيه “الباشوات” و”البكوات” ألوف الجنيهات علي ملذاتهم ومسراتهم ببذخ شديد فى مصر وفي أوروبا ..لأنهم يملكون ألوف الأفدنة على حساب الفلاح المُعدم الفقير الجاهل ..وأُحِيلك عزيزى القارئ إلى الكثير من الأفلام القديمة التي تصور كيف كان يحيا هؤلاء ببذخ وإسراف وغيرهم يموت فقراً ومرضاً..وهكذا العمال وسائر الطبقات الشعبية ..أليس ذلك كان (مجتمع النصف في المئة) ..حيث طبقة رقيقة جداً من المجتمع تأخذ كل شئ وتترك الفُتات لباقي الطبقات؟
_ أكانت مجرد أكاذيب تلك التى كتبها نجيب محفوظ فى القاهره30 وبداية ونهاية.. وطه حسين فى المعذبون فى الأرض.. وتوفيق الحكيم فى يوميات نائب فى الأرياف.. ولم يكن الشعب حافياً بالمعنى الحرفى للكلمة.. ألم يكن هناك ما يُعرف بمشروع “القِرش” للقضاء على الحفاء.. ألم يكن هناك تعبير “مجتمع النصف بالمائة” أم أن كل ذلك محض خيال وافتراء
فلماذا التدليس وذِكر أنصاف الحقائق إذن ؟!!
_ أين أمانة العرض والكلمة؟ ولماذا لا نوضح الجوانب الخفية للصورة ؟.. لماذا يُصِر البعض على ذِكر كل ما هو جميل وبراق من الماضي ويتناسى ما كان قبيحاً وسيئاً فيه؟
_ وما العبرة فى أن يكون الجنيه الذهب بجنيه وقتها بينما لا يجد الإنسان مليماً ليقتات ؟ والمريض كل ما يحتاجه حقنة رخيصة ثمنها 15 قرش لإنقاذ حياته.. ولكن المشكلة الأبسط أنه لم يكن يملك هذه “الثروة”..!!

_ أما أكثر ما يضحكني هو نسبة البطالة المزعومة التى لم تكن تتجاوز 2:3% أيام الملكية ، فقبل حكم الملك فاروق كان 70% من الأُسر المصرية تسكن ريف مصر ويعمل أفرادها جميعاً بما فيهم النساء والأطفال بلقمتهم كالعبيد فى أراضى الإقطاع والنسبة التالية تخص العمال فى شركات الرأسماليين ولم يكن حالهم يختلف عن حال العبيد فى الريف ثم نسبة ضئيلة تعمل فى وظائف مختلفة المستوى فى الحكومة وفى معسكرات الجيش الإنجليزى وفى المهن الحرة المختلفة إلى جانب تلامذة المدارس وطلبة الجامعات فلماذا يكون فى مصر بطالة من أصله فى ذلك الوقت ؟!!!
_ وعن غسيل الشوارع بالماء والصابون فقد كان يحدث بعد منتصف الليل فى الشوارع التى بها منشآت حكومية هامة أو يسكنها الموظفين الكبار سواء من العاملين فى الحكومة أو فى شركة قناة السويس – قبل التأميم – والسبب كان الرائحة الكريهة الناتجة عن روث الحيوانات التى تقود عربات “الكارو والحناطير” التى كانت تجوب هذه الشوارع طوال النهار وتؤذى رائحة مخلفاتها مشاعر الكبار خاصة إذا تم تركها بدون تنظيف لتتضاعف فى اليوم التالى وتصبح الرائحة لا تُطاق..
_ أما عن الجنيه الذهب والدولار فلم يكن يملك أى منهما فرد من المصريين الذين يمثلون أكثر من 90 % من الشعب ومن الطبيعى أن يظل سعر أى منهما على حاله عشرات السنين وأُذكر المتشدقين بأن سعر الذهب والدولار بدأ فى الزيادة الرهيبة عندما بدأ الطلب على الذهب يزيد ويتوافر الدولار فى أيدى المصريين بعد حرب 73 وزيادة سعر البترول وتوافد العمالة المصرية على دول الخليج، فقد كان سعر الدولار حتى عام 1970 حوالى 40 قرشاً فقط..
فيا أيها الناعقون.. كفاكم تضليلاً للناس..
فلم تكن الملكية فى مصر أقل بشاعة من الإحتلال الإنجليزى.،
وإلا فليبرر لى أياً منكم لماذا خرج المصريون عن بكرة أبيهم لمباركة و دعم حركة الضباط الأحرار؟!!
أيساندونهم على إنهاء عصر الرخاء والرفاهية؟!!
_ إستقيموا يرحمكم الله..

_ وأما ما تلى هذا العهد فلن أتحدث عنه حتى لا أُتَهم بالتحيز للناصرية.. ولأن كل منجزات تلك المرحلة وإخفاقاتها وأخطاءها مسجلة ومحفورة فى قلوب المصريين والعرب والعالم بأثره..
_ فكل من يعرفني عن قرب يعلم أننى أُقَدِر “الزعيم الراحل” ولكننى لست ناصرياً .. فأنا ضد قاعدة الفرز والتصنيف على كل المستويات ( سياسياً ودينياً وإنسانياً )
_ لكننى فقط أُطْلِق العقل وأُعْمِل المنطق..
فيكفينى ويكفيك فخراً وشرفاً “بها” أنه بفضلها.. لم يعُد هو موجوداً على أرض بلادنا إلى الآن..
عن “المندوب السامى البريطانى” أتحدث ،
_ وأن أبناءها باتوا يحكمونها بعدما حُرِموا من ذلك الشرف مئات السنين.

لا تعليقات

اترك رد