عندما تنتصر الصورة ، وتسقط الفكرة


 

مواقع التواصل الاجتماعي منحت للناس فرصا حقيقيّة لتنمية معارفهم وتحسين ثقافتهم ومواكبة ما فاتهم . لكنّ المجتمعات العربيّة دخلت هذه المواقع دون أن يتمّ تفكيك الترابط بين الدافع : المعرفي والعاطفي ، والجنسي .في مجتمعات سمتها الكبت غالبا . لم تكن المعرفة أولويّة ولا الثقافة أولويةّ .لذلك كان النتاج الحاضر على الصفحات منبئا بكلّ تلك الفوضى .فلا توجد هنا ثقافة خالصة ” لوجه الله ” وإنّما هي في الكثير منها جدل أو حوارات أو كتابات تخفي وراءها من الدوافع ما تخفي .فبين المجاملات ، وعلاقات الولاء والرغبة في التقرب بين الأطراف والتقرب بين الجنسين خاصة ، تتلاشى الثقافة في ما ليس منها وتلتبس بغيرها من الدوافع . وقد يكون ذلك مفهوما إذا فسّرناه منطقيّا بالنقلة السريعة الحاصلة في المجتمع من ثقافة الكبت إلى هذه الحريّة الواسعة التي منحتها الصفحات للناس . ولكن ، إذا أخذنا النتاج الثقافي الذي أفرزته ، فإنّه لا ينبئ بالكثير من الخير . فعدا عن بعض الكتابات القليلة التي تحوز على الأقلّ بعض الجديةّ في الطرح ، أو الجرأة في عرض الأفكار ، أو الجماليّة في الصياغة ، تبدو الصفحات كغثاء السيل .

مع حالة تسيّب اصطلاحي غير مسبوقة في إطلاق صفة شاعر وشاعرة وكاتب وأديب وصحفيّ على من لا يمتلكون أيّ مقوّم أدنى لتلك المسمّيات . هي مسمّيات جاءت صنيعة أسباب لا صلة لها بالمعرفيّ. لذلك مازالت الأفكار التي تحتاج إلى التأمّل والتفكير ، غريبة هنا على الصفحات ، غربتها في الواقع . وقد يتجاهل ألف مارّ كلماتك مهما كانت جودتها ، ولكن لا أحد يتجاهل صورتك ، حتّى وان لم تكن جميلة . فقط ، لأنّه قد يعتبر تجاهل الصورة إساءة لشخصك ، أماّ تجاهل الفكرة ففي منظوره لا إساءة فيها .هو ببساطة لا يعتبر أنّ أفكارك هي أنت ، أو ذاتك ، وفي هذا منتهى الاغتراب الذي يبرز أنّ الأفكار لم ينُظر لها بعد كمكوّن أصيل في ذواتنا

هذا الضّمور في البعد المعرفيّ على الصفحات ،قد يكون من أسبابه التراخي الفكريّ ،والكسل ، وعدم الرغبة في التفكير المجهد للعقل . وقد يكون أيضا هيمنة البعد التواصلي على ما عداه .فرغبة الناس في التعارف وفي التعرّف على حياة الآخرين بل حتى التطفل عليها يجعل نزوعهم يتجه غالبا إلى المنشورات السهلة ذات الطابع الاجتماعي والمناسباتي، لا تلك التي تعرض آراء أو أفكارا تجدر مناقشتها أوالردّ عليها . والمحصّلة أنّ العين تذهب مباشرة إلى الأسهل ممّا لا يحتاج جهدا . كالتعليق على صورة أوعيد ميلاد أو حدث زواج أو احتفاليةّّ …..تنزوي الأفكار مُهملة بعيدا إلا ّ في ما ندر من الحالات وتنتصر الصورة .

هذا السلوك الثابت يفوّت فرصة هامّة على هذه المجتمعات لتنهض بنفسها خاصّة أنّ هذه المواقع أصبحت عمليّا المواقع التي تستقطب عددا مهولا من الأفراد لعرض “بضاعتهم ” خيرا وشرّا . تتفوّق بذلك حتّى على الصّلات الواقعية .

لذلك فإن ّمواقع التواصل الاجتماعيّ بهذا المعنى ، مؤشّر دقيق جداّ . يمكن أن نقيس به ذواتنا ومجتمعاتنا وما نحن عليه . فمن خلال تلك المواقع نبدو غير جاهزين لنفكّر باستقلاليّة بعد ، طالما أنّنا لم نتحرّر من الدوافع الأخرى .كما يبدو مشروع النهضة الحضارية المأمول بعيد المنال طالما أنّ نشريّة طبخة أهم ّمن نشريّة فكرة عميقة ، وما يستقطبه وجه حسن من اهتمام وإعجاب أهمّ من أيّ فكرة أجهد صاحبها نفسه لتنضيدها وتقديمها وتحميلها مشروعا ما .من خلال تلك المواقع أيضا تبدو هذه الحرية الواسعة وبالا في بعض وجوهها وقد أفرزت من الرداءة و من تشريع الإسفاف ومن الأسماء الفضفاضة ما يضيق المقام عن ذكره.

الجدير بالذكر أن ّ هذا الاغتراب للأفكار في مجتمع لا يلقي أهمية كبيرة للتفكير ، ليس حكرا على مواقع التواصل الاجتماعي.فحتىّ في الفضاء الحقيقيّ الواقعي ّ ، لا يحتلّ التفكير إلاّ ركنا يكاد يكون هامشيّا .وحتى ” نخبة القوم ” عندما يقصدون المؤتمرات والملتقيات والاجتماعات ذات الطابع الثقافيّ والفكريّ يعود غالبيّتهم محمّلين بصور للحدث أكثر ممّا يعودون بأفكار مثمرة أفادوها أو رأي للنقاش خرجوا به .يعودون غالبا بصورة هنا أوهناك،تؤرّخ لمرورهم بالحدث، في ركن فاره يغري بالمشاهدة ،صحبة مفكّر” نجم ” قدلا يكونون سمعوا من كلامه شيئا .مشهد لافت ويتكرّر دائما .وربّما يشي بمظهر من مظاهر السطحية في التعامل مع الأشياء أو برغبة جامجة في إيجاد موطئ قدم بأيّ شكل.وربّما كانت الصورة أقل السبل جهدا لتحقيق ذلك أوللإيحاء به .فأن تلتقط صورة مع مفكّر لتثبت صلتك بأهل الفكر أسهل ألف مرّة من أن تقرأ مئات الكتب التي تؤهلّّك لتحوز تلك الصفة .وأن تلتقط صورة في فضاء ثقافي شهير أقلّ عنتا وتعبا من أن تجهد نفسك سنوات في التحصيل العلميّ لتستحقّ تلك الصفة .الصورة تمنحنا تلك الالتواءة على الأشياء والمفاهيم والتي تختزل الفعل أو الحدث في مظهر خارجيّ مرئيّ .

هذه الظواهر قطعا ليست حكرا على المجتمعات العربيّة .ولكن نحن في حاجة ماسّة إلى التفكير أكثر ألف مرة من تلك المجتمعات التي قطعت شوقا وحقّ لها أن تستريح وتركن للكسل .وفي ذلك يختلف الأمر جذريا ّ بيننا وبينهم . فلم يكن الكسل يوما منتجا .ولا يمكن لأحد أن ينهض بنفسه أو بمجتمعه بالتراخي الفكري والدّعة . نحتاج إذن إلى مجاهدة النفس، ليس بمعناها الدينيّ ولكن بمعناها الثقافي إن جاز اللفظ .كأن نقرأ شيئا جاداّ ولو أجهد ذهننا .ونناقش فكرة صعبة وإن وجدنا عنتا في الإحاطة بها ، ونقرأ كتابا يشقّ على النفس قراءته ولكن ينبغي أن نقرأه .خارج ذلك ،وفي غيابه ،لا يمكن أن نتقدم قيد أنملة

1 تعليقك

اترك رد