كمشة مناديل لا تكفي لهذا البكاء


 

أيها الحنين، أنتَ أيها الساكن فينا قبل أن نسكن الأرض، من ذا الذي يجرؤعلى مقاطعة عزفك الطاغي، ومن يقدرُ على قطع أوتار الكمنجات وهي تغفو على كتفك؟ صوتك المبحوح يمزق أوردة الروح نتفاً، تطير، ترفُّ حول الكون.أنفاسك وشاح يلفُّ القلوب. جامحٌ كصهيل العطر في شرايين الورد. تجريفي دمنا رغماً عن دمنا، تعتصر زنابق عواطفنا كما يُعتصر الليمون الناشفلتسيل منه ولو قطرة.
بلادٌ فتحت لريح الجنون بيوتها لتعبث بها، وتبعثر أثاثها وتترك الصور مترنحة على جدران متصدعة.
تكنس أصحاب البيوت، كما تكنس الغبار وترميه بلا وعيّ في أماكن هم لم يختاروها ولا يملكون إرادة رفضها أو قرار القبول بها. لتشكّل الريح منهم كثبان بشرية، منهكة متراميةكخرق بالية هنا وهناك.
أمٌّ تقف خلف سياج الرحيل، تمد أصابعها من بين أسنان الأسلاك الشائكة، لعلها تمسك للمرة الأخيرة، آخر طرف لأصابع أحبّة قذفتهم ريح الحرب المخبولة خلف هذا السياج.
زوجة في الثلاثين تمشي بمشقةٍ نحو السياج وهي تحمل في رحمها آخر جنين من رجل هي لا تدري هل ستراه مرة أخرى، وهل سيرجع لكي يرى مولودها الأخير.
الأم تضم في كفها وهي ترتعش، كمشة مناديل محلية مزقت أليافها الدموع، والزوجة تستجدي أنسجة المناديل أن تظل صامدة لتمسح نزف الدموع.
الأحبّة يركعون أمام جثمان الرحيل وهو يحتضر، ليعانقوا ما تبقى لهم من ثياب أحبتهم قبل أن تشهق صافرة الوداع.
الزوجة تزحف فوق جنينها لتمسك طرف السياج، وتشم خيوط كف زوجها القابع عند جثمان السياج يحلم في أن تصل إليه قبل أن يختنق يولد جنين الوداع.
كمشة المناديل تبللت بالدموع وتناثرت من بين أصابع الأم فأخذت بأكمام ثوبها وصاحت ” كمشة المناديل لا تكفي لهذا البكاء؟
لم تعد الزوجة قادرة على الزحف فتوقفت عند منتصف الرحيل وصرخت من بعيد ” حفنة البكاء والزحف فوق الجنين لم تكف للوصول إلى سياج الوداع” حرس الحدود يضربون بأحذيتهم الخشنة الأصابع الممتدة من بين السياج، والجنود في الطرف المقابل للرحيل، يكدسون الأحبة في شاحنات تسوقهم إلى الموت في نهاية هذاالطريق.
الطغاة يحتفلون في قصورهم بهزيمة شعوبهم، ينظرون من أبراجهم الشاهقة إلى الجثث الملقاة على مد النظر، يرفعون كؤوسهم ليشربوا نخب جنون غطرستهم، ويضحكونبصخب يسخرون من موت شعوبهم البائس.
جنود الطغاة يستغلون فوضى الموت، فيسرقون من جيوب الموتى ذاكرتهم، والأشياء التي دسوها في جيوب محافظهم قبل الرحيل وقبل الوداع.
جندي معتوه، يسحب من جيب أحد الموتى صورة امرأة حامل، يهزأ من زوجها الممدد تحت حذاءه ميتاً، يقطع صورتها ويأخذ جزء البطن الحبلى ويمزقها وينثر فتاتها فوق جثة الزوج ويقول ساخراً: ” لعلك ترى مولودك يوم القيامة ”
تمر أعوام الحرب وما تزال الأم مصلوبة بحنينها خلف السياج تنتظر عودة الأحبّة، والزوجة وضعت حملها، كل يوم تجلس بطفلها عند بوابة المدينة تنتظر أن يرجع زوجها.
ماتت الأم وهي تحمل في كفها كمشة مناديل تعتق فيها بكاء سنين امضتها خلف السياج تنتظر. ماتت الأم ولم يمت فيها الأمل من عودة الأحباب.
كبر الولد وأخذ كل ملامح أبيه، ظل مع أمه طوال الأعوام يجلس عند بوابة المدينة ينتظر عودة أبيه، ماتت الزوجة، ولم يمت في الولد الأمل في عودة الأب.
الجندي الذي مزق الصورة وجدوه أولاده ممزقاً تنهش لحمه الكلاب. والجنود الذين ضربوابأحذيتهم الأصابع الممتدة من بين السياج، بترت أقدامهم بانفجار لغم.
الطغاة الذين شربوا نخب فاجعة شعوبهم، اسقطوهم من على عروشهم، أولئك الذينأوصلوهم للعروش، واستبدلوهم بطغاة جدد.
لا الحنين ينتهي، ولا كمشة المناديل تكفي للبكاء، يرحل الطغاة ويأتي من بعدهم طغاة، ويظل الأمل ممتداً من بين اسلاك السياج، وخلف هذا السياج، هناك من ينتظر عودة الأحبة وعودة الغيّاب …

شارك
المقال السابقلجنائن بابل .. عَد !!
المقال التالىالدُرر الخَفية فى العُصور الملكية
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. الشلعر لؤي طه إنسان أصيل قبل أن يكون شاعرا . كل مايكتبه يعبر عن أصالة الانتماء للوطن . هذا الصوت المدوي يصرخ عاليا بوجه الطغاة والمعتدين عل العالم يسمع ويدرك .

اترك رد