معاناة


 

بحكم انتدابي بعمل طوعي بإحدى المنظمات الإغاثية ، حيث كانت طبيعة العمل هي تسجيل الحالات الإنسانية المزرية التي تحتاج إلى مد يد المساعدة لها .. ماديا .. معنويا أو صحيا .. ورفعها للجهات العلية في المنظمة ، لإتخاذ الإجراءات المناسبة بحقها ..
كانت طبيعة العمل تقتصر على المناطق الريفية للمدينة التي كنت أقيم فيها أيضا ك لاجئة .. كون الريف قد ضم أشد اللاجئين بؤسا .. أؤلئك الذين لايستطيعون دفع تكلفة الحياة في المدن .. لحظة وصولنا للقرية وحين السؤال عن العائلات النازحة والهاربة من حرب مجنونة اغتالت البشر والشجر والحجر .. وهذا أقل مايقال عنها .. أرشدنا الأهالي لبعضها .. وكانت هذه إحدى الحالات التي كان تسجيلها و كانت من نصيبي … رائحة المكان سبقت إلى أنفي قبل خطواتي .. ولا أقصد الغرفة التي تتأوى فيها العائلة .. إنما القصد المكان ككل …
كانت خليط من أنفاس الطين الرطب بما يحمله من شوائب .. و رائحة أعواد الذرة القادمة من الحقول القريبة بفعل الرياح .. إذا كنا في منتصف الخريف او اننا أقرب للشتاء منه …
كان المكان عبارة عن فسحة صغيرة من الأرض في الصدر منها باب للغرفة اليتيمة فيه والوحيدة .. وفي الزاوية منه باب للمنتفعات ..
كانت أبواب قديمة قد تآكل الخشب فيها حتى ليخيل للناظر أنها ستسقط الأن .. وبمجرد النظر إليها أو حتى ملامستها ..
لم أكن بحاجة لأن أطرق الباب عليهم .. كان يكفي أن ألقي السلام بصوت عال و أنادي :
هل من أحد هنا .. ؟!
لتظهر على الباب سيدة صغيرة دون سن الثلاثين .. جميلة رغم كل الحاجة التي ينطق بها وجهها والمكان .. رحبت بي .. كأني طوق نجاة ألقي لها في لحظة غرق شديدة .. فاحتارت كيف ستتمسك به .. ابتسمت برجاء .. قالت :
بترجاك تعالي شوفي كيف عايشين .. !!
دخلت إلى الغرفة .. تبدو للناظر كبيرة نوعا ما .. وفي الحقيقة هي لم تكن .. و إنما هو خلوها من أي أثاث يذكر .. جعلها تبدو كذلك .. في صدر الغرفة سجادة بنصف عمر مفروشة على الأرض .. على زواية منها فراش تكور عليه أحد الأشخاص بطريقة توحي بمرض يشابه العجز .. كان زوجها .. عامل بسيط يعمل في البناء .. من سوء حظه أنه أصيب في رجله و ظهره بسقوطه أثناء العمل .. ماأدى لحالة من العجز بالحركة لديه إلا للضرورة .. وعلى الجهة الأخرى من السجادة .. تكومت بعض البطانيات والمفارش فوق بعضها البعض وإن بطريقة مرتبة .. توحي بأنها حريصة على نظافة الشيء و المكان قدر الإمكان والمستطاع .. و على الارض و بجانب منها حقيبة ملابس كبيرة الحجم مقفلة .. يبدو انها تضم حاجاتهم .. في زاوية الغرفة الأخرى .. طاولة رصفت عليها أكياس صغيرة فيها بعض المواد التموينية الضرورية .. مايوحي بأن هذه العائلة تشتري احتياجاتها بشكل يومي ولامجال لتخزين الشيء لبضعة أيام .. وفي الأرض هناك موقد للغاز صغير الحجم للطبخ .. مانسميه نحن بالغاز السفري المتنقل .. يحمل باليد وينقل من مكان لأخر بسهولة ويسر .. وفي الأعلى منه رف مثبت على الحائط … عليه بعض الأواني المنزلية البسيطة .. وخلف الباب مشجب تتكوم عليه بعض الملابس …
كان هذا كل مايتواجد بالغرفة ..
سألتها :
كم عدد افراد العائلة .. ؟!
فأجابت أنا وزوجي وطفلين .. أحدهما في العاشرة والأخر في السابعة من العمر .. وحين سألتها عنهما إن كانا في المدرسة .. ضحكت بمرارة .. وردت .. الله يسامحك ياأنسة .. أي مدرسة .. ؟!
نحنا لاقين ناكل ونعيش لحتى نروح ع المدرسة ..؟!
فهمت منها أن الأبن الأكبر يعمل بأحد الأفران نظير عشر ليرات تركية في اليوم مع الخبزات .. آخر النهار … والأصغر يعمل لدى احد باعة الخضروات بخمس ليرات في اليوم .. و يحضر معه آخر النهار مايفيض عليه به صاحب العمل من خضار .. لامجال لمتابعة الدراسة هنا ..
فهناك أجار للغرفة يجب ان يدفع .. إضافة للكهرباء والماء .. وغيرها من المستلزمات .. لم أعد بحاجة للمزيد من الحديث هنا .. فكل ماحولي كان ينطق بالوجع .. سجلت جميع بياناتهم الرسمية .. وعززتها قدر المستطاع بتقريري عن الحالة .. كي تقبل ببند المساعدات …
عرضت علي أن تضايفني كأس من الشاي .. اعتذرت منها .. قد شعرت بأنني لا أستطيع أن ابتلع أي شيء مع هذا الكم من البؤس .. حتى ولو كان كأس من ماء .. كنت اود أن أخذها بالحضن …. خفت أن تتهمني بالجنون …
غادرت المكان لا ألوي على شيء وأنا أرى في فسحة الدار سحلية تتجول بكامل حربتها .. خفت أن اصرخ خوفا .. فأهز صورة الأنسة التي جاءت لتقديم المساعدة لهم .. وهم الذين يتعايشون مع هذه الكائنات رغما عنهم …

لا تعليقات

اترك رد