الوطن المواطن السلطة – ج7

 

لقد عانى الواقع العربي من انتكاسات اجتماعية وسياسية عدة، زادت من عمق الهوة التي تفصل بين السلطة السياسية والسلطة الثقافية في المجتمعات العربية. وقد تجسد هذا بشكل خاص في العديد من الدول العربية التي ظهرت فيها أحزاب سمّت نفسها بالتقدمية تقوم على مفهوم الحزب الواحد والحكم الفردي الذي ينفي الفكر الآخر نفياً تاماً، والتي عجزت أيضا عن حل التناقضات ومسألة انفصال الدولة عن الأمة، وإعادة الربط بينهما.

كما أن الأفكار التقدمية قد أخفقت في تحرير الإرادة الجمعية من أجل تحقيق المصالحة بين الأمة والتاريخ والحضارات الأخرى، وبدل أن تفتح آفاقاً جديدة ومتجددة للمجتمع والحياة الجماعية عمقت فيه الشروخ والهوة بين أفراده. كانت النتيجة دخول جل الأطراف السياسية في معركة شاملة كان من نتيجتها تحييد بعضها البعض وعدم الاعتراف بالآخر، دخلت على إثره الأنظمة والأجهزة والأحزاب في صراع إيديولوجي مستمر وتحول الولاء إلى ولاءات حزبية وطبقية و تحولت هذه المؤسسات ذاتها إلى عائق رئيسي أمام التعبئة العقلانية لها وحاجزا أمام تطور المجتمع.

عانت السلطة الثقافية من ممارسات مضادة من الأنظمة التقدمية، التي رأت في هؤلاء خصما لها وعائقاً يتعارض مع أفكارها القائمة على مفاهيم سياسية واقتصادية تنتمي إلى نظام جديد يقوم على مفهوم الحكم المطلق. وبذلك استبدلت المرجعية التي كان على المجتمع أن يحتكم إليها في علاقته بالسلطة السياسية ومؤسساتها الجديدة ودخلت النخبة في صراع سياسي وفكري مع الأنظمة الحاكمة، و أدى هذا الواقع الجديد إلى صراع مباشر بين الأنظمة من جهة وممثلي النظام المجتمعي و الإنساني من جهة أخرى.

وقد أدركت الأنظمة اتساع الشرخ بينها وبين المجتمع والأمة، وعرفت أنها لن تستطيع الاعتماد على ممثلي النظام الثقافي فيها، وهي التي عارضته واعتبرته خصما، فكان على هته الأنظمة إيجاد مثقفين من صنعها و يمثلونها وقد نجحت في ذلك وسعت إلى إجبار المجتمع على قبوله وإعادة تشكيل وجوده بحسب ما يفرضه ذلك النظام، وبذلك قامت الأنظمة بخلق سلطة ثقافية خاصة بها و مرفوضة من طرف الأمة.

لقد شكل النظام الكوني والإنساني منذ القدم هوية الأمة، لأنه يشكل تصور المجتمع لنفسه وذاته، والصورة التي يبنيها عن عالمه ووجوده، ونوعية العلاقات التي تربطه بالكون والمجتمع والسلطة، والقيم الأساسية التي تجسد ماضيه وحياته ومستقبله، إنه بذلك يشكل روح ووجوده وهويته. ولا شك في أن أي تجاهل لهذه الذاتية أو محاولة تغييرها أو خلخلتها ، وهي التي تشكل محور وجود النظام المجتمعي وما يجسده من مفاهيم كالوطن والمواطن والسلطة والسياسة، سوف يجعل من أية محاولة تطوير أو تقدم في المجتمع مجرد عملية تراكم للأفكار والمعتقدات بدون فائدة، واستيراد للثقافة والأفكار والقيم الجاهزة.

في حين كان لا بد من عملية بناء للإنسان وترميماً للحياة النفسية العميقة وتعليماً وتربية وتثقيفاً.. كما أصبحت نخبة النظام تفتقر إلى الحد الأدنى من الثقة بنفسها ومجتمعها، وحولت خطابها إلى خطاب يهدف إلى التغطية على ممارسة التمييز وضمان التميّز عن الشعب، وتبرير القطيعة معه وتأكيد التفوق الفكري والأخلاقي عليه، وفرض الوصاية عليه وحرمانه من ممارسة حقوقه الأساسية وإنكار معاناته وآلامه.

لا تعليقات

اترك رد