صناعة الرأي العام


 

يتطلَّع الإنسان بدافع الرغبة والطموح إلى ما هو أفضل وأكمل ، وبما إن طموح الإنسان لاينتهي يبقى بذلك أسيراً للنزعات الغريزية والنفسية والايحائية التي تُحفّزه إلى تحقيقها قدر المستطاع ، إن من بين العوامل التي تظهر من خلال البحث عن حالات الإشباع الدائمة أو المؤقته هو عامل المقارنة ، الذي يفعله الإنسان بينه وبين الآخرين ليقَيّم الحالة التي هو عليها ثم يلجأ إلى سد الشواغر بطريقة أو بأخرى وحسب ما يسمح به وضعه من جوانبه المختلفة ،

إن من بين هذه المقارنات التي نلجأ اليها ونرغب من خلالها تشخيص الخلل والنقصان هي مقارنة الرأي العام في بلدنا مع البلاد الأخرى وخصوصاً تلك التي وصلت إلى الإستقرار التام في جميع مناحي حياتها ، إن الرأي العام في الدول المتقدمة أصبح له فلسفته الخاصة وإستخداماته في النظم السياسية المتباينة وأصبح له التأثير الكبير في تسير سياسة الدولة ومؤسساتها الحكومية ، ومن المعلوم إن المحرك الأساسي للرأي العام هو الإعلام الحر والواقعي لإن الإعلام المغاير للإصول والضوابط لايعيش طويلاً يتضح ذلك جلياً من خلال العلاقة الفاعلة والمؤثرة بين الإعلام الصادق وبين الرأي العام وتعود هذه العلاقة المتبادلة التأثير إلى تأريخ طويل من الجهود الثقافية والتنورية وتضحيات ومكابدات ( لايسعنا تفصيلها ) ،

ولكن بالجملة إن الإعلام الذي يستجيب له الرأي العام تمكن من إحراز زمام المبادرة في مراقبة الدولة ومؤسساتها مراقبة ذاتية ونتيجة لذلك شاعت ثقافة إستقالة العمل والانعزال فوراً بعد ما يشير الإعلام إلى أدنى حالة فساد أو مخالفة صريحة وربما كان الكثير من هذه الحالات في الدولة الآنفة الذكر ليس من جهة العمد والإهمال ورغم ذلك لايستطيع المسؤول تجاوز نظرة الإعلام ومن ورائه الرأي العام إلا من خلال الايواء إلى الظل والإبتعاد عن حساسية الضوء ، كما يعتبر الرأي العام من مصاديق الديمقراطية الحقيقية الموكولة فعلاً إلى معناها الواقعي ( حكم الشعب ) وليس إلى ما نراه اليوم في بلدنا من تخبط وتوافقات ومحاصصات التي شتت المسؤوليات أدخلت الشعب في دهاليز من العتمة والضبابية ، ومن أجل ذلك تحتّم على المثقفين والاكاديمين فضلاً عن المؤسسات ذات العنوان المشترك إن تضاعف جهودها مسؤولياتها من أجل صناعة رأي عام يستجيب للإعلام الصادق والمؤثر ليبادله التأثير في تصحيح المسارات ومعالجة ثغرات الفساد وإشاعة ثقافة الإستقالة الذاتية بدافع تأنيب الضمير والخجل من نقد الآخرين .

لا تعليقات

اترك رد