الفنان التشكيلي عمران شيخموس والتدافع نحو مشهدية العمل


 

يساهم الفنان عمران في لحظات كثيرة في تكوين مخيال مرهون بالعثور على خطوات غير عشوائية , و بالفعل يخضع ( بضم الياء ) عمران مبادراته التي من الممكن أن تؤول عليها بخصوص طرحه الجمالي , الذي أخذ يتبلور ويتسع من عمل إلى آخر , لفعل لا يتخلى عن طموحاته التي تحتاج بدورها لنماء نوعي .

فقضية الطموح يشغل بال عمران كثيراً , و من حقه الطبيعي أن يخلق لحلمه جناحين بهما يخترق جدار الضوء , وحتى يفعل ذلك لا بد من ذاكرة نشيطة تعود به إلى تل شرمولة الذي سيجبل من ترابه كل الألوان الخاصة به , وهذا ما يجعل البني ضيفاً قوياً على مجمل أعماله , البني الذي يحمل عطر تراب المدينة التي أنجبته , و ينجح كثيراً في التعامل مع هذا اللون , خاصة حين يلجأ إلى خلق أشكال غير متوازنة مع الإشارة إلى المناطق الحساسة في العمل الفني , و لهذا لا يغلق النوافذ مطلقاً بل يبقيها مشرعة , كما أنه لا يترك الهوامش مجهولة بل ينشر عليها ألوانه بفصول مختلفة و على الأكثر فصل الأرض لأنه يتقن التعامل مع التراب بحرفية عاشق ,

و هذا ما يمنح عمله أهمية فنية بذوقية فلاح وهو يتطلع وبقدر كبير من الحب محصوله أثناء الحصاد , وهذا ما يخلق لديه آلية منظمة للخروج بنتائج بالغة الجمال , و دون الوقوع في مبادرات كازانوفية , قد تمس إعتبارات لا تتقبل التمهيد الواجب توفره خاصة في عملية البحث عن الدقة التي بها يتحكم عمران في خلق تقنيات لا تحمل من الغرائبية إلا الدهشة الممتعة , وهذا ما ينبغي لعمران أن يقدم تفاعلاً لونياً تحمل بصمته , خاصة في تفاعل الأرض مع الضوء أوحتى مع الريح , فهو يدرك على أي أساس سيقيم حتى لا تكون نماذجه عبارات عن علاقات بسيطة في أغلب وظائفها , و في هذا السياق يخلق حركية لولبية ليلامس تلك المناطق التي تفضي إلى تحولات جدلية لا تستقر في زمان و لا تتشبث بمكان ,

فالتدافع نحو مشهدية العمل هي السمة الأبرز في عمل عمران المشهدية التي قد تتحول فيما بعد إلى مفتاح بيد عمران بها يلج السموات التسع , والتي قد تكون بداية جديدة , و شاهقة بآن واحد , و بتعبير آخر عمران يبحث عن حضور مغاير , و صوت يشبه عود النعناع حين تلاعبه الريح في خفقة عاشق , و من المستحسن قبل الإنتقال إلى محاورة العمل الإشارة إلى أن عمران يتعامل مع فسحات العمل بانورامياً, و لهذا تقترب أعماله من بعضها و تتشابه و كأنها سيرة مدينة لم يلتق بها منذ قرن دون أن يغفل القيمة الفنية لعمله و يربط بينها بوشائج قائمة على علاقات التأثير و التأثر و هذا ما يساعده في دفع المتلقي إلى محاورة لوحته رغماً عنه ثم يأخذه إلى إتجاهات مختلفة عبر مقاربات جمالية مذهلة .

كما أن عمران يسعى لخلق صيغة موازية للعمل , على الأقل في أذهاننا , حين يصر على أن عمله يحتوي على ما يتعدى نطاقه , و بلغة أخرى و كأنه يقول بأن عمله ينقسم على نفسه و ربما كان هذا هو المفهوم الملازم لوعيه الحداثي الذي به يرهن عمله لقراءات مختلفة بدءاً من حركة التراب المتغير والمستعار من نشأته إلى محاكاته لإنعكاس البنية المتحولة في الزمان و المكان بحرارة أحاسيسه ,

هذه الأحاسيس هي التي تمنع عمران من الإنزلاق نحو الموجة السائدة و لهذا عمله يبقى وعلى إمتداد عملية الإنتاج إختباراً لإخراج السجالات التي تتنازع في دواخله مع الإقتران بمرونة فائقة في الإنفتاح الفاعل على الوفرة المعرفية في انموذجه المطروحبإعادة النظر في العنصر التركيبي ل ( اللامعيار ) , فالمقاييس عنده تغدو لا صياغات بل هيولى فنية تشبه الألوان حين تتحول إلى روح وترقص المولوية , و هنا تهبط الثوابت الصارمة التي تنأى فتح آفاق جديدة لتصعد سلالم التعبيرية لديه حتى تغدو مغامرة في خلق نوع مغاير من نتاج فني قد يكون أقرب إلى توقعات المتلقي ,


و ما يلفت الإنتباه أن عمران لا يحتاج في عمله إلى عتبات بل يتوخاها للإنتقال إلى قدر غير يسير من الإعتزاز باللحظات التي قد تحدد معالم الحياة في عمله مع الإمساك بكل خيوط الخلق .

لا تعليقات

اترك رد