العم جورج


 

الله أكبر… الله أكبر …لا إله إلا الله …الله أكبر الله أكبر ولله الحمد ؛ الله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ، اللهم صلى على سيدنا محمد وعلى اصحاب سيدنا محمد وعلى أنصار سيدنا محمد وعلى ازواج سيدنا محمد وعلى ذرية سيدنا محمد وسلم تسليما كثيرا.
بسعادة اردد تلك التكبيرات وسط الألاف الذين احتشدوا بساحة المدرسة ليؤدوا صلاة العيد .
ابنى الصغير ذو الثمانية يردد معى ، كل المصلين يرتدون الجلباب الأبيض والابتسامة لا تفارق وجوههم ، تنتهى الصلاة وكل منا يهنىء صاحبه او جاره او قريبه ثم نعود إلى البيت .
تستقبلنى وفاء بوجهها المشرق وابتسامتها الجميلة التى جذبتنى إليها منذ ان كنا أطفالا ،
– كل سنة وانت طيب يا زوجى وحبيبي ، وكل سنة وانت طيب نور عينى وقلبى علي .
تقولها والفرحة تغمر قلبها وتشرق فى وجهها الأبيض المشوب بحمرة وردية فى وجنتيها .
اقترب منها ، انظر فى عينيها الخضراوين ،
اشعر لحظتها ان قلبى يكاد ان يكون طائرا يحلق فى سماءها الرحبه الصافية .
– كل سنة وانت حبيبتى يا اجمل وفاء فى دنيتى ،
هيا إلى الإفطار .
بعض من الكحك والبسكوت والتمر والحليب والشاى على المائدة .
كعادة كل عيد قبل ان نهم بتناول الإفطار …يبدأ هاتف المنزل فى الرنين .
اطالع عينيها ، أجد فيهن الفرحة ، وقبل ان تتكلم ابادرها : بالتأكيد إنه العم جورج !
التقط سماعة الهاتف ، يأتينى صوته الهادىء : صباحكم عيد وفرحة وسعادة يا ابو على كل سنة وانتم طيبين .
ثم يهنىء وفاء ويداعب علي ويضاحكه كثيرا .
لكن… لم يكن المتصل ” هو ” هذه المرة .
إنما ناصر صاحبى بن العم جورج !
لم تكن من عادة ناصر ان يتصل بنا ، فهو يحب السهر وغالبا مانسهر معا ليلة العيد على قهوة النيل ، ودائما ما نستمتع بأغنية ” ياليلة العيد ” بصوت ام كلثوم الذى نشعر معه بفرحة العيد وليلة العيد .
يكون بصحبتنا عماد حليم بن الأستاذ حليم عم ناصر، وصالح وجمال ومحمد وعادل ، إنها شلة الحرافيش كما نطلق عليها ،
وعلى ضفاف النيل …مساء كل عيد نلتقى .
ناصر وصالح وعماد يحبون الضحك والنرجيلة !
صالح يحب السخرية منا ومن كل شيء وان لم يجد مايسخر منه ليضحكنا يسخر من نفسه ومن عاداته ونوادره ، وعماد يلتقط اطراف الحديث وفجاة يخرج بقفشات ضاحكة ولازعة ، وناصر ينازع صالح فى سخريته وضحكاته لكنه يأتي دائما ببعض النكات الجديدة ، وجمال وعادل ومحمد لايكفون عن مجاراتهم ولكننا كثيرا مانخشي من سخرية ناصر وصالح !
– خير يا ناصر …كل سنة وانت طيب ألم تنم منذ الامس ؟
أتى صوته حزينا ، ثم أجهش بالبكاء .
– بابا تعيش انت يا أحمد !
صدمتنى المفاجأة واستولت علي الدهشة .
– العم جورج …البقاء لله …تماسك يا ناصر …الله يرحمه …انا قادم إليك .
قبل أن اخبر وفاء بالخبر …كان صوت الناعى يأتينا عبر ميكروفون محمول فوق سيارة صغيرة تطوف بأنحاء القرية والقري المجاورة ليعلن عن وفاته قائلا : البقاء لله …توفى اليوم الجواهرجى جورج نزيه نصيف الشهير ” بالخواجة جورج ” والدفنة اليوم من كنيسة مارى جرجس والعزاء اليوم بالساحة الكبيرة امام منزله .
لقد كان صوت محمد عضو شلة الحرافيش !
فى فناء الحديقة الواسعة بمنزله المطل على النيل ..كان هناك الاهل والاصدقاء ينتظرون خروج الجثمان ، عرفت من ناصر ان أبى ” الحج على ” والأستاذ حليم موجودون قبيل الوفاة ، الحج على صديق طفولته والاستاذ حليم توأمه ،
انتهت مراسم الجنازة التى شهدتها اعداد غفيرة ،
وتوافد المعزون على سرادق العزاء ، بدأ الأب مينا كلمة رثاء فى مأثر وأعمال العم جورج وحبه للناس وحب الناس له .
– ” الله ..نور ..حب ..سلام ..الله محبة ”
ختم الرثاء بهذه الكلمات ، فبكى الحضور ، ثم قدم الشيخ ابو السعود المصرى مقرىء القرأن الشهير ليبدأ تلاوة القران !
كانت وصية الخواجة جورج لأبى واخيه حليم ان يتلى القرأن فى اليوم الأول ثم يقام القداس بالكنيسة فى اليوم التالى ويختتم العزاء بمنزله فى اليوم الثالث .
لم نك نفارق ناصر إلا عند النوم ، نقف جواره فى استقبال القادمين للعزاء وكذلك عند انصرافهم ، ونتابع كل شيء يرتبط بالسرادق والعزاء.
فى مساء اليوم الثالث والاخير ، لم يكن هناك الا الأصدقاء وعائلة العم جورج.
كان ذلك موعد فتح وصية مكتوبة للعم جورج ،
فتحها أبى وقرأها العم حليم أمامنا … لمعت عيناه ودمعت وهو يقرأ : أرض الساحة الكبيرة التى سيتلى فيها القران والإنجيل فى سرادق عزائى يقام عليها مشفى ومدرسة لأهل بلدى !
نهتف فى صوت واحد : “الله يرحمك ياعم جورج”
يبدأ العمل فى إقامة المشفى والمدرسة ، يشرف أبى والعم حليم على العمل ، يحل ناصر مكان أبيه فى إدارة محلات الذهب ، يقبل عيد الأضحى ،
تسهر شلة الحرافيش على ضفاف النيل ، أذهب لصلاة العيد ومعى علي ، وعند عودتنا نجد وفاء بانتظارنا وقد أعدت افطار عيد الاضحى من كبدة تم تسويتها فى السمن البلدى مع بعض من الفلفل والملح بجانب طبق المخللات من ليمون وخيار وزيتون .
نتذكر تلفون العم جورج ، ننظر إلى الهاتف فى صمت ،
يخيب الهاتف ظنوننا ، يبدأ نغمة رنينه ، يذهب علي مسرعا ناحيته ؛ تتساءل نظراتنا : ترى من يكون ؟
يلتقط علي السماعة ، يهتف بصوت تملأه فرحة كبيرة :
بابا
ماما
إنه خالو ناصر !

شارك
المقال السابقذهَبَتْ
المقال التالىفي الأثير
صابر عبد الحفيظ محمد الجنزوري اللقب  ...صابر الجنزوري تاريخ الميلاد ..22 -٣-١٩٦٥ جهة الميلاد ...القاهرة ..مصر المؤهل الدراسي والعلمى..بكالوريوس علوم جامعة القاهرة ..قسم الجيولوجيا  1987 وحاصل على تمهيدي ماجستير فى جيولوجيا البترول ..كلية علوم ..جامعة القاهرة...1992 العمل...جيوفيزيائى بشركة ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد