صدى صوت عاشقة ثائرة ترتّق بعض ما بقي من وطن


 

صدى صوت عاشقة ثائرة ترتّق بعض ما بقي من وطن
ندى عادلة بين عصيان ورجاء

وأنا أمر من هذا المنبر سمعت صدى..أيقنت أنه صوت الحق ينادي من معراج وطن ..نزفه نزهة بين سماء وأرض ..وسفر بين الغروب ويباس الآس ..رحلة تيه بين موت وقيامة..هو الليل الطويل الداجي ولكن نجوما مشرقة تبدد الظلمة وتحول الدجى نورا شعشعانيا يشتعل معه البخور من أصابع عاشقة حلقت مع نجوم الأسطورة وأبطال الحكايات حتى تنسج من نبضها نبضا يشتعل بروعة اللفظ وجزالة المعنى ورونق الرمز ..تحملنا ندى عادلة كعادتها إلى عليائها ..إلى وطنها المدلل الذي تنيره براحها وريحانها..تدحرج أمانيها بيقين سيزيفي ..وإرادة برمثيوسية ..وعاطفة يوسفية .. تنهض مع الفجر وتحلم بالقبّة والصخر ..تدحرج صخرتها إلى قبتها وتصلي وتسبح وتبتهل بين الشاهدة واسم الله..بين اعتقال الدمع وقُبَل الحياة ..تعاند الصدى ..تكابد الممنوع وتصرخ في جبل طور ..ألا أيها الجبل الشاهق لا يجرمنّك شنآن قوم ولن تلفحك شمس المعارك الخاسرة.. تهادى في عليائك وارفع رايتك، ربما لن تسنح لك الفرصة مرة أخرى حتى تستعيد شموخك..لا تسعّر خدّك للمهوسين واسجد واقترب لمن احتوتك وصيرتك نجما فرقدا ..هذه ندى بأسلوبها المعتاد بمشهدها الذي تشكله من أقوالها وأفعالها وأحوالها..من دياجير ذات أضنتها الحكم المغشوشة والشرائع المزوّرة والدين الذي فقد ظلّه..هناك على السفح تتعالى الحناجر تنادي الأم – المرأة – الوطن هذه الأقانيم الثلاثة التي تأخذ بعدها الرمزي إنّها رمزيّة المرأة فهي ليست إلاّ صورة للأرض قطب الصّراع وصورة للحياة بمختلف تناقضاتها أو لعلّها قناع تسجيليّ فوتوغرافيّ يعكس واقعا محنّطا نُمق بالجريمة ووشّي بالقتل .لتنبجس صورة الأم تنادي ابنها الشهيد مرّة ولكنه نداء مستعار يعمّق معنى الحزن والفجيعة،فما نطق الشهيد بل هي من نطقت على لسانه لتكشف عن حرقة الثكل ومرارة الافتقاد. وصورة الأخت مرة أخرى تنادي أخاها وتقول :أمّي والزوجة تلطم وتقول : أمي لتتحول صورة الأم إلى أمثولة حكائيّة ومركز إشعاع دلالي ومكوّن تركيبي في بنية النّص ، حين تتحوّل إلى مستغاث بهفي عمل لغوي خطابي يرفعها من صورة الأم العاديّة كما هي في عرف الكلام إلى إنشاء دينامية وجدانية داخليّة من شأنها أن تحرّك نوازع الفرد وتخاطب فيه حس العاطفة الصّادقة والشعور المأسوي بحقارة الواقع ومرارته . لعلّنا بهذه الصّورة نقف على أطلال ذات محنطة يعرّيها الخوف . الماضي يناديها والحاضر يناغيها وبينهما نرمق نزيفا ونحضر كابوسا مفزعا تلتقط الشاعرة تفاصيله التي تؤرقها وتزج بها في أحبولة القلق والتوتر. ولكنّها سرعان ما تنتشل همّتها من صوت الثائر في أعماقها فتشكل ذلك السور المنيع الذي قُد من همم الأبطال وتلاوات المريدين .وما تيسر من عسير الممنوعات الخمسة ولعلها إشارة إلى قواعد الاسلام التي تسربلت بحواجز الممنوع والحرام ..الأم التي تخوض المعارك على الحكومات المترهلة والسياسات الخانعة ليكون صوت الأنا صوت يتقمص صورة الامومة في خوفها وهواجسها من غيوم المستقبل وضبابيته ..وتعطف القلوب على القيم التي تحتضر قيم الأخلاق والذود عن الوطن الذي أصبح مجرد سلعة في سوق النخاسة :
مازلت احرّض على زراعة الخجل والكرامات ..
ما زلت أفخخ جسدي من هديل اليمام ، من دروب الهوى ..
مازلت أكتب حين الشروق متحكمة بالموسيقى والإيقاع ..
صوت عشتاري ينبجس من دياجير الذات الناطقة ..هو الانبعاث والخصب بدل الموت والفناء ليأخذ فعل التفخيخ دلالة مفارقة تتجاوز صورة الانفجاراتإلى صوت الحب والسلام ..صوت الموسيقى باعتباره صوت العالم الأبدي الذي يعانق الوجود ويرمم ما بقي من حياة وهذا بفضل ما وظفته من سجل موسيقي يبعث على الانتشاء والأمل ( هديل ، الموسيقى ، الإيقاع ..) وهنا تتراءى صورة تراجيدية ملحمية تقوم على معنى الصراع من خلال جملة من الثنائيات الشروق /الغروب ..الغربة / الانتماء ..الألم / الأمل..الموجود /المنشود..وكأننا بالشاعرة وفي خضم معركة هذه الأم مع الواقع تلد الأمل وتخصب الحياة ، ويتحول الحاضر إلى مستقبل يزدهي فيه الربيع وتزهر فيه الزنابق ..ويورق الحب من الحكايا والقصائد :
غدا سأبدأ معكم حكاية عاشقة ممنوعة من الحب
سأحدّثكم عن الورد
عن آلاف الأيدي التي أتعبها الدعاء
عن آلاف القصائد التي لطخت بالدماء
وهاهنا تطالعنا ثنائية أخرى ثنائية المرأة والقصيدة ولكن المرأة مخضبة بالدماء فهل تعري القصيدة الدّماء أم تضرّج الدماء القصيدة.و هل قدر القصيدة العربية أن تحمل على عاتقها مسيرة دمويّة لا تنتهي ؟ إنها ثنائيّة الحرب والشعر . الموت والإبداع وهذا جوهر الصراع الذي يحكم سياق النّص.كيف تواجه الموت بالفن والشعر .وهكذا ترمم ما اندثر من جمال وأمل في نسيج نصي تعمّدت فيه جوا جنائزيا لتنهيه باحتفال لغوي ينهي المرثية بصوت حماسي يدوي على قارعة الموت ليكون الموت ميلادا جديدا للحياة وانبعاث عالم خصيب على أنقاض عالم مترهل يحتضر،وما تركته يحتضر لأنّها تقايض الطمأنينة بالهزائم . تحلم بنقطة ضوء مسعورة تراود الأفق ،ينشئها الانفعال بالتّبتّل ..لأن سوريا ستنتصر ولم يبق الكثير هكذا حدث الحدس لأن العاطفة والعقل لم يغيبا عن كل جبار شريف..لن يسلّموا سوريا لأنها عصية نقية بهية .هذا فعل شاعرتنا في الخطاب ،تبحر في خضمّ نفسها الكالحة لكن الواقع يجرحه الشعور بالاغتراب ، هو واقع هجين عقيم تترصّده بلغة خاصّة تتلوّن بألوان المكابدة والمعاناة ، وهذا ما يجعله يرزح تحت وطأة التقرير في ميسم تسجيلي وصفي يجعل لحظة الخطاب متواقتةولحظة التجربة التخييليّة .
النص :
تحت القبة والصخر ضممت الأثير وعواطفي وزمان الوصل لم أستدلّ إلى أخوتي..
إلى من أحببت….!!
لم يسعفني تعرق الدمع! هناك على السفح ترتقي القامات،
والكلّ ينادي: أمي أمي..
الأم تنادي ابنها الشهيد :أمي
الأخت تنادي أخاها :أمي
الزوجة تلطم وتقول:أمي!!!!!
بين الشاهدة وبسم الله الكلام مغبَّر ومهشم، وخيبة أمل الصراخ صدى وحدها الأرض كانت تحتضن الأجوبة بصمت لم يستطع أمن الأموات كتم الشفاه، لم يستطع اعتقال حرية الدمع وقُبَلِ الحياة لم يخترقوا جواز مروري؛ لأن أمي أودعته جبل الطور مع صحبة جيدة تلفحه شمس المعارك الخاسرة كتبت عليه توق ذاكرة الزمان للسلم وتلوت….
أدركت بتلاوتي أن خمرتي آسيوية المنشأ… مغلفة بالشام.. حنطية اللون..
مرتعشة الدماغ..
لبوة لا تنام..
أممية الألوان..
عسيرة الهضم ..
مالحة الدم..
إفريقية الخيرات..
قيثارة على أبواب ماري..
تأكل ما تيسر من عسير الممنوعات الخمسة… وتأبى أن تروّض…
ما زلت أخوض معاركي ضد الحكومات على جميع الجبهات…..
مازلت أحرض على زراعة الخجل والكرامات…
مازلت أفخخ جسدي من هديل اليمام ،من دروب الهوى..
مازلت أكتب حين الشروق متحكمة بالموسيقى والإيقاع…
ينثر الغروب في روحي الألم !! الغربة قاسية كتمثال من رخام محصنة من السباحة في مستنقع الأحزاب. أمسح الغبار كل يوم عن وسادتي..
عن أحذية قبيلتي التي مازالت تمشي على الشوك، على ظلمة القفار …
رد لي قلبي أيها المتبقي من الزمن..
الأنثى لا زالت تطبخ لك الحصى في القدر…
دعها تطبخ لك من برها، من بحرها، من معالم روحها…
فهي القادرة على تحويل التراب إلى أعشاب وخضار.
توزع على الطبق أصابع حب شهية كشفاه و قبل حمراء……
غداً سأبدأ معكم حكاية عاشقة ممنوعة من الحب..
سأحدثكم عن الورد..
عن آلاف الأيدي التي أتعبها الدعاء..
عن آلاف القصائد التي لطخت بالدماء.

لا تعليقات

اترك رد