سيارتي بلا وقود

 

صحيح أني اسكن في دولة متقدمة في أوروبا و هنا تنشأ و تترعرع الأفكار والمنتجات الجديدة، لكن هذا ليس حصرا على الدول المتقدمة.

فنحن نعيش في زمن المعلومات و العولمة حيث أن الافكار و الأخبار و البضائع و الخدمات صارت متاحة للبيع و للطلب من أي مكان و الى مكان في العالم. و صار “التاجر” التقليدي بمثابة كائن منقرض لأنه لم يعد هناك حاجة لأخذ البضائع و المتاجرة بها و انما يكفي أن يشتري المستهلك أي سلعة أو خدمة عبر الانترنت بعدة نقرات على لوحة مفاتيح الكمبيوتر.

و على هذا الأساس فإن طريقة حياتنا نفسها قد تغيرت في كل النواحي تقريبا، فلم نعد نحن كعرب و شعوب شرق أوسطية لديها قدرة المنافسة مع الإنتاج الصيني و زخم العمال من القارة الهندية و لا حتى بمقربة من التطور التقني في العالم الغربي. و لكننا لدينا شيء يحتاجه الجميع، ألا و هو النفط، ذلك الذهب الاسود الذي يقبع كمارد عملاق تحت ارضنا الفقراء.

و على هذا الأساس وضعت قواعد اللعبة السياسية و الاقتصادية العالمية و تلك الخارطة نكون نحن العرب فيها من يزود العالم بالوقود الذي من دونه لا تقوم الحضارة البشرية الحديثة.

و سبحان الذي يدوم ملكه، فلا دوام لأي شيء سواه، فالتقنية في تقدم دائم و كذلك الحاجة لإيجاد مصادر طاقة جديدة، مستدامة و نظيفة، و ها قد بدأت تسير السيارات على الكهرباء بدل الوقود الاحفوري (النفط) و سرعان ما تنخفض الحاجة الى النفط و لا يعود حاجة لإزعاج المارد الاسود الذي يسكن تحت رمال الجزيرة العربية.

يمكن أن تعتبر هذا التغير هو شيء اقتصادي بحت، لكنك أن نظرت إلى الأفق، لرأيت تغيرات جذرية تغير السياسة و الثقافة و حتى خارطة المنطقة بأكملها.

طبعا هذا ليس تبوء ساحر يرى المستقبل من خلال كرته الزجاجية، و إنما هي حسابات للروابط بين الأشياء بشكل منطقي، نعم ان عالمنا و حقائقنا تتغير، فلا شيء ثابت و هذا ما لا شك فيه. المهم هنا هو أن نستبق الأحداث من خلال التحليل المنطقي و النظر إلى الأفق البعيد قبل اتخاذ خطوتنا التالية لكي نكون متأكدين من أننا لا ننكب على وجهنا في عثرات المستقبل، حيث لا يكون النفط ما يجري في عروق الحضارة.

هذا الكلام ليس موجه إلى الطبقة الحاكمة فقط، و إنما لكل شخص في المجتمع، فكل فرد معني بهذا الكلام.

في أحد حواراتي مع صديق للأسرة، تحاورنا حول مستقبل العراق، و بعد أن اوجعت راسه بكلامي قال لي:

ولما كل هذا الكلام، العراق بلد نفطي يمكنه ان يوفر العيش الرغيد لكل مواطن، فقلت حينها:

نحن يجب علينا أن نغير طريقة تفكيرنا فالنفط ليس مهم في المستقبل و هو السبب الرأسي للاحتباس الحراري و تغير المناخ العالمي، نحن يجب علينا أن نواكب الزمن و التطور بأن نبني وطن لا يعتمد على منتج لا نكون فيه نحن جزأ من تطوريه، نحن لا نحتاج الى تطوير انفسنا علميا او ثقافيا لأننا ببساطة لا نحتاج إلا الى أن نستخرج النفط لنبيعه و هذا يحولنا إلى مجتمع جاهل و ضعيف في الإنتاج الصناعي ناهيك عن الإنتاج الفكري، و لا ننسى أن النفط يجعل من دولنا دول رعوية يكون فيها الشعب و أفراده عالة على الساسة اكثر من أن يكونوا مصدر ثروة تصان حقوقهم لكي ينتجوا و يساهموا في ابحار سفينة الوطن في بحر الزمن. نحن لا يجب ابدا ان نعتمد على النفط لأنه ليس منتج مهم بل انه منتج ضار لنا و للطبيعة! يجب علينا ان نواكب الزمن و ان نكون فاعلين و مساهمين في المسيرة البشرية.

حينها قال لي بتحدي و استهزاء:
طيب ايها القرد المفكر الذي يجلس على جذع شجرة استوائية، من منا لا يحتاج إلى النفط؟
حينها قلت له و أنا أبتسم:
سيارتي بلا وقود!

لا تعليقات

اترك رد