عندما يكون النصر انهزاما آخر


 

أسالت معركة تحرير الموصل الدم وأضعافه حبرا، فصل آخر من فصول الخيبات العربية العربية، فلم تمسي اختصاصا على العراق أو منطقة بذاتها، فقد توسعت لتشمل العرب قاطبة، ليبيا، مصر، سوريا، اليمن، فالعراق كان سباقا عن الربيع العربي ابتدأه شتاءا.

الإعلام أثار هذه المعركة كعهد سابق لمـّا كان الشعراء يتّغنون بقصائد زائفة لمعارك مزيفة وانتصارات جوفاء، الزيف في مقاصدها، وليس الزيف في عدم وجود معركة تحرير الموصل ولكنهم وسّموها بكثير من القُدسية وما هي في الحقيقة إلاّ حرب ضد فكر ديني متطرف، راديكالي أنشأته الظروف الراهنة ووليد سياسة متغطرسة لأنظمة موالية للغرب مُفَكِكة لمواريث هذه الشعوب من حضارة وغيرها بمناهج تربوية دخيلة وظلم اجتماعي وتهميش طبقي على أساس عشائري، بفكر أكثر راديكالية، هو ما نعيشه اليوم لا فرق بين الحربين إلا بعض الشمولية المنمّقة، فما كان لواء حربه القبيلة أصبح لواؤه الوطن أو المرجعية الدينية، فمن الفكر الداعشي المتطرف المحسوب على بقايا النظام السابق والذي هو في الحقيقة ظاهرة دولية إن لم نقل عربية

بامتياز شحذت الهمم وأغوت محاربيها دول عدوة ومخابر استخباراتية، هدفها إخماد أي فتيل لحرية عربية أو تقدم عربي والملاحظ أن استهداف أي تقدم عربي مهما كان ميوله أو توجهاته حتى العلمانية اللائكية التي تمشي في سياسات الدول الغربية تصبح هدفًا ما دام سيحقق بعض الإنفتاح والتطور للعالم العربي والإسلامي. أو أكثر من ذلك حربا منظمة ضد الإسلام، بيد مسلمين لا يفقهون من الدين شيئا، ليتغذى المد الشيعي الذي استحوذ على الساحة العراقية على كل هذه الجبهات المتطاحنة، بعدما تركتها الولايات المتحدة وأذنابها من العرب مفتوحة أمامه.

هذا الامتداد بدأ بسقوط نظام البعث العراقي بعدما وسّموه بالإرهاب وشاركت أغلب الدول سُنية المرجع في الإطاحة به بما في ذلك السعودية التي أصبحت الآن الجبهة الأمامية أو المتقدمة لكبح المد الإيراني، والساعية بشتى الوسائل لكبحه ولو بإغداق المال على أي جهة مهما كانت متطرفة.

هذا المد سيتوسع في كل سوريا أو على الأقل سيأخذ منها الحصة الأكبر ، وإن كان النظام الإيراني يحقق أهدافه تحت غطاء أمريكي

بحت ودون النظر الى ما نراه من خصومة وحرب هي مجرد مواقف إعلامية، ما هي إلاّ سياسة مستهلكة لطمس أعين الدول العربية وجعل بعضها وخاصة من جاورها يتعلق بهذه الخزعبلات الزائفة، ليرى في النظام الإيراني نظاما معاديا لأمريكا وإسرائيل وهو ما لا يُرى بتاتا على ساحة الواقع فإيران تتوسع في العراق وسوريا بمباركة أمريكا حتى وإن ظهرت بعض بوادر المعاداة في آخر قمة إسلامية أمريكية في السعودية، فجيش النظام العراقي القائم على الفكر الشيعي والولاء الإيراني الذي بدوره هدفه تغيير الخريطة السياسية للبلاد وتشتيت السنة، ليجابه في معركته بالموصل تصارع أفكار متطرفة في الجانبين لا ترى محطة توافق بل في الجهتين مبنية على الإقصاء، هو ذلك ما يجعل وقود الحرب كامنة تنتظر الظهور في كل لحظة وفي أي جهة أخرى بالعراق، كردة فعل عن ما حصل.

السؤال الواجب الطرح لماذا وصل هذا النصر متأخرا لهذا الحد، مادام نظرية هزيمة الفكر الداعشي موجودة، أم أننا فقط نعيش أجندة غربية مرتبطة بتواريخ معينة لأحداث منسقة، وأن مهمة داعش قد اكتملت ووجب تحريك الدّفة الى جهة أخرى لإلهاء الفكر العربي عن

التفكير في لـّم شتاته والنهوض بنفسه أم أننا ألِفنا دور الضحية ووجب التضحية دوما بطائفة منا تخالفنا بعض الأحيان لإرضاء غيرنا واستمرارا لفتيل الحرب الدئم في المنطقة العربية.

إن حالة الانحطاط التي نعيشها هي ما جعلت المفهوم الحقيقي للنصر مُعّتما، بل انتصار فكرا بالقوة لجهة معينة يعد نصرا آخر بينما كان الأصل الابتعاد عن التشرذم وتقبل الآخر والتعايش دون التفكير بمنظور قبلي قد أفـِّل من قرون، هذا الفكر المتطرف ما أوجد داعش وما سيوجد غيرها إن لم نفكر في لّم الشمل واحتواء الآخر وتقبله وهو ما جعل تشريد الملايين وتدمير دولة بكاملها يعد نصرا في أعين البعض.

لا تعليقات

اترك رد