الفردية المعرفية ومعركة التغيير


 

يقول الفيلسوف المعرفي (كارل ياسبرز) : (إن الوعي التاريخي والأحداث والوقائع التاريخية تقرّرها البطولات الفردية , وإن أحداث الثورة الفرنسية لم يقرّرها الشعب الفرنسي ولا العوامل الداخلية والخارجية , التي أحاطت بتلك الفترة التاريخية, وكان سبباً في حدوث الثورة الفرنسية , إنما الذي أحدث ذلك , البطولات الفردية لقادة الثورة الفرنسية تحديداً, فدراستنا للعام التاريخي بأحداثه , ليس أكثر من محاولة لتبيان ما هو فردي, بطولي في هذه الأحداث)

من خلال تأملنا لهذا المقتطف في سياق الفردانية والنظرة إليها من منطلق معرفي يركز على أهم سمات ومعالم الشخصية الفاحصة والمنقِّبة لآلام المحيط وفوضاه وتناقضاته, ولعلّنا في معرض حديث ((ياسبرز)) نوقن مدى أهمية تلك البطولات الفردية التي ذكرتها لنا الأساطير القديمة اليونانية مثالاً , أو الاغريقية والرومانية وغيرها, وساقت لنا معالم البطولة الفردية, ودورها في صناعة التاريخ وتغيير معالمه , انطلاقاً من مدى إيماننا وصناعة الفرد وبنائه بناء محكماً , لأن صناعة الفرد من صناعة المجتمع برمته..

ولعلنا نبحث في سياق معنى البطولة لنجد أن التغيير هو منشأها في الأصل, والتغيير يستقي روافده من الإرادة , والإرادة تخضع للإدراك والوعي لأهمية المعرفة, والمعرفة تحقق للمجتمع الثروة المادية والروحية على نحو متقابل ومنسجم ,ولعل الوجود مركب من حركة وتجانس وتداخل كافة العوامل المناخية والجيولوجية بشكل معقد ويفرض بنا مراعاة مبدأه المتمثل بالتغيير, مادام كل ما في الوجود في تغير دائم, إذاً فلا شيء يقف أمام أمواج التغيير المتلاطمة بضراوة , كاشتداد الأعاصير أو السيول , والذات تتشظى في هيئة إرادات متعددة تنساق لخدمة المعرفة بالبحوث والجهود المبنية والمعتمدة على آلية الحركة..

ويكمل الفيلسوف المعرفي كارل ياسبرز قائلاً:

(إن الوجود الحقيقي يتحقق عندما تختبر الذات نفسها, وتصنع شيئاً ما يميزها عن غيرها, فالعالم يقدم للذات بواعث الوقائع, والذات هي التي تصنع هذه الوقائع , ولولا الذات لما كان للوقائع أي قيمة, عند الحد ترتبط الضرورة للحدث التاريخي بالحرية الفردية لتصنع الحدث)

فعلاقة المعرفي بأدوات الواقع علاقة مستمرة وحتمية مبعثها الشعور بالحاجة والمرارة والرغبة الهائلة في إنهاء التعاسة, وتحقيق الانشراح والشعور بلذة الإنجاز بعد جهد بالغ, ومن هنا يمكن صناعة التاريخ, وتحقيق آثاره على نفسية الناس ليتمثلوا بأهم القيم التي من أجلها تتحقق مقومات العيش السامي, فالبحث الشاق والنضال الدؤوب للمعرفيين يبرهن مدى جمالية وصدقية الحفاظ على القيم التي تعني صون الحقوق والواجبات على مرّ الدهور, ولا يعني بتاتاً الاهتمام بصناعة الفرد المعرفي حصره بمظاهر التزلف والمديح وإظهاره رمزاً سلطوياً , بل إشراكه بالحياة وقيم النهضة الاجتماعية عبر سياق ظروفه التاريخية والموضوعية,

ويمكن على ضوء ذلك فهم الأخلاق التي هي عبارة عن ثوابت نسبية في مجتمعات متغيرة ومتصارعة في إثبات خصائصها وثقافاتها التي تحتكرها وتنفرد بها , ولا تتقيد بذلك بماهية التنوع, مما تنتج عن ذلك بعض مجتمعات غائبة عن التاريخ وأخرى تعاني القطيعة عن التاريخ والحاضر, ولاسيما أن التصادم الاقتصادي بلغ أوجه بين أرباب المال,ومن هنا أكّد المعرفيون على الأخلاق وصونها من خلال صيانة الخير والحق والجمال, وتحفيز الأفراد وتثقيفهم لأجل إنعاش العائلة بمنحى معاصر يتجاوز التقاليد الشكلية والروابط الدموية ,, إلى عائلة تجمعها المعرفة كرابطة حقيقية متقدمة تنشد الحب وثقافة التسامح, والمسالمة , كبديل عن العائلة القبلية المتعصبة قبلياً, سياسياً مذهبياً وطائفياً وقومياً وحزبياً, في خضم وجود يتأثر بكل بناء أو هدم,وطبيعي ان نوقن المعرفة كقوة مواجهة للتشاؤمية وقيمها المدمرة والتي رسخها أرباب المال بجشع غيَّر الحياة في ظل رواج الفوضوية التي تعني اللاقانون , والذي نزع عن الوجود رداء الحضارة المعرفية

لا تعليقات

اترك رد