كيف تصنع جاهلا – ج2


 

يفرض تقسيم المجتمع لشرائح بسكين النظام على أسس اقتصادية مجردة من كل العوامل المحيطة والمصاحبة للعملية الإقتصادية واقعا محموما يلهث فيه الجميع وراء المال دون توقف أو هدف واضح، ومن ثم دعوته بإلحاح إعلامي مستفز ودفعه بقوة للإلتئام “أي المجتمع” مرة أخرى إلى سياق المؤسسة الدينية الذي يخضع الجميع لبمبادئه وأخلاقياته إما بالرضى الكامل أو الجزئي وبالنسبة للمختلفين والرافضين له بشكل أو بآخر بالتحريم والتجريم والإلتزام بما تفرضه السلطة الدينية المنبثقة عن قيم تصل أحيانا كثيرة لحد سن القوانيين، “الظاهرة الجديدة التي تشكلت مؤخرا تحت قبة البرلمان المصري”أسلوب للحكم ضمن أساليب التجهيل التي تمارس منذ وقت طويل داخل حدود الوطن.

ومازالت مفعلة ويمكن أن توصف بــ”الآلية الخفية”، التي تسربت بمرور الوقت واستقرت في العقل الجمعي المصري وحاصرته حتى تنمط أو تكيف مع سلوكه الفكري بشكل يدعو للدهشة ويدعو أيضا لضرورة الإنفكاك منها بأسرع وقت ممكن!.حيث أحالت هذه الثنائية بينه وبين ثقافته المصرية القديمة وحاضره الآني.

فما بين عملية التقسيم والإلتئام سالفة الذكر روابط إنسانية وحضارية أخرى أغفلتها النظم السياسية السابقة والحالية، واكتفت بإدارة الدولة بالشكل الذي يسمح لها بالتمدد والتجذر عبر سلسلة من التجهيل المقصود بتصدير الخطاب الديني على أنه داعم لسياسة الدولة ومن يخالفه يخالف الدين “الرسمي” لها أي يخالف الدستور!.

فضلا عن أن نصيب الحديث والنقاش السياسي الذي يدار ويفعل وينطلق للعامة من داخل المؤسسة الدينية كبير بحجم الدور الذي تلعبه في الحياة السياسية وأضحى مؤثرا أكثر بكثير من المؤسسات “المدنية أو الحكومية” المعنية بالسياسة بل بالأحرى تطفو على سطح المجتمع الآن السلطة الدينية وتهيمن على حساب ما هو سياسي وثقافي وعلمي وفلسفي.

إذن أين الدين؟ وما هي ماهيته؟ وهل يمكن اختزاله أو صهره في منظومة ثقافية أو اجتماعية؟ أسئلة تطرح نفسها بقوة كلما برزت ازدواجية الخطاب الديني الرسمي وعجز عن الإقناع المنطقي لمحتواه (كعادته التاريخية) ووضحت أهدافه المائلة بشدة نحو السياسي المتغيرللعوام قبل المتخصصين، فالدين بطبيعته الروحية لا يقبل الطلاء بألوان النظم السياسية المتعاقبة التي تسقط أقنعة رموزها واحدا تلو الآخر بعدما أن يقرر التاريخ هضمها أو محاكمتها.

وبالتالي كل محاولات التسيس التي يمر بها الدين تفشل فشلا زريعا رغم الحيل التي تتبعها الساسة والحكام، ذلك من كونه غير قابل للتكثيف أو للتفتيت المؤقت، ولعل غموض النص الديني أحد أهم الوسائل المتصلة بماهيته والمفسرة لإستمراره الموازي للزمن، والتي يستحيل معها صهره في منظومة ثقافية أو اجتماعية، وذلك لخصوصيته وتفاعله الذاتي مع الفرد المؤمن، وذلك بالبعد عن الشعائر التي يشترك فيها الجميع والتي تُعد البوابة الكبيرة لمرور الخطاب الديني المسيس للمجتمع دون أي عائق يذكر.

ورغم انهيار الدول التي تأسست على قناعات دينية محدودة ضيقة ومحاولات رجال الدين المغرضة لشد أطرافها من كل جانب لتتسع وتشمل قرارات الحاكم حتى اهترأت مازال الدستور المصري يقوم بتذويب الفواصل بينه وبين ما هو سياسي محض حيث ينص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، دون توضيح وتحديد مُحكم لأي مذهب وقع عليه الإختيار ليكون مصدر دستوري للتشريع!. ما يعكس انحياز الدولة لدين دون غيره رغم تعدد الأديان في مصر، وإجبار الآخر على تشريعا دينيا لا سياسيا، وبعيدا كل البعد عن الدولة المدنية والمواطنة التي تسمح للجميع وبالجميع بناء هيكل الوطن وثقل جوهره دون تجهيل أو مراوغة.

خصوصا ما يكمن في الحياة اليومية من تفاصيل تدل ممارساتها بين أفراد الوطن الواحد على الجهل بالقانون والدين معا!، وهذا البُعد ضرورة لنجاة النظام من أي محاولة لإعتراض مسيرته السياسية لتحقيق أهدافه في أجواء يلعب فيها الجهل دور المخدر!.

لا تعليقات

اترك رد