محاصرون بجهل وفقر وتعصب..

 

العاقل المتفقه لا يمكن أن يستسيغ فكرة تأليه البشر وتقبيل أيديهم وأرجلهم وتقديس فعالهم وكلماتهم وجعلها بمقام رباني رفيع .

فالظلمة والجهل تجعل زمراً من الناس يتصرفون بطريقة سمجة وممقوتة وغير واعية .

شيخ الإسلام أحمد تقي الدين ابن تيمية ( 660-768 هـ ) ، الذي سماه الأستاذ / عبد الرحمن الشرقاوي بالفقيه المعذب ، يرى أن ( الجهل والظلم أصل كل شر) ، والعلامة اليمني المجتهد محمد بن علي الشوكاني ( 1760- 1884م ) ، يقول أن ( المصاب بالعمى لا يقود الأعمى ) ، فالجهل يلسع بسياطه الشعوب ويلتهم النور والأمل ، ويصيب قلب الأمة بالتصدع والتقهقر والهزال الفكري والمعرفي .

إننا محاصرون بجهل وفقر وتعصب وتكفير وخوف , إننا محاصرون بترسانة من العادات والعقد الجاهلة , العادات القاتلة لحرية الفكر والكاتمة للنفوس .

وأكثر ما يدميني إبدال الحق بالباطل والاستقواء على أهل الفكر وحملة الأقلام الشريفة و الرقابة الخشنة والتلصص الأرعن والقمع الفكري البليد لأهل الرأي والاجتهاد ومصادرة الكلمة الجسورة .

إن العيش في مناخات القهر والظلم والعسف يجلب أضراراً جسيمة للمجتمعات ويترك فسحة ذهبية للنهب والقسوة والمكر والخداع والتكفير وشطحات اللامعقول والتلذذ بفاكهة الفساد والعنجهية والتعالي الأبله .

لقــد قال مرة الأستاذ / سعيد يقطين ( المثقف العربي مهمش ومهشم دائماً . إذاً المطلوب منه أن يمثل دور الشاعر المداح , وأن يكون كالبحتري الذي كان يمشي في موكب من العبيد .

أما إذا كان غير هذا ، وانخرط في السياسة , فلينتظر مصير الشعراء الذين نكل بهم ، أو تعرضوا للحرق أو الإعدام لأنهم أعداء للحاكم وزنادقة والتهم المسوغة للحكم جاهزة ) . يقف المثقف والصحفي اليوم بين ناريين محرقتين , نار العسف , ونار التكفير , فالمتربصون كثيرون أعداء النور يكشرون بأنيابهم صوب الوجوه المستنيرة , إننا نعيش في زمن صعب معبأ بالإرهاب والعنف والتخويف وهذا ما عبر عنه الشاعر صلاح عبد الصبور عندما قال :

هــذا زمن الحــق الضائع
لا يعرف فيه مقتول من قاتله ومتى قتله
ورءوس الناس على جثث الحيوانات
ورءوس الحيوانات على جثث الناس
فتحسس رأسك
فتحسس رأسك

فالغشاشون والمتربحون أرباب الفجور والشر يكرهون العلم والمعرفة والعقول النظيفة ، يكرهون التناصح بالحق والتعاون بالخير ويحافظون على العتمة والجهل والتكفير والعقائد المضللة ، إنهم يمارسون الفساد والرذيلة تحت عناوين مختلفة وجذلون بحياتهم الرغيدة في مجتمع الجهل والتعصب والتكفير والفوضى والفساد ، إنهم يدأبون إلى إغلاق بوابة العقل والاجتهاد بفهلوة وعبثية مقيتة ويكسرون إرادة التغيير والتنوير المجتمعي .

لماذا لا ننظر إلى الأمام ؟ ولماذا لا نسامح ؟ ولماذا لا نوسع نافذة الحرية بدلاً من تضييق حجمها وجعلها كثقب إبرة ؟ ولماذا لا نشجع العقول المتبصرة ونهجــر الفضاء الخانق للحريات ؟ لماذا لا نغادر أسوار الشمولية ونكف عن إهانة العقل وقص أجنحة الكلمات المشعشعة في دهاليز الظلام ؟!!!

لا تعليقات

اترك رد