المتصوّفون وحدهم من عرفوا أنّ الله حبّ


 

“الحقيقة ليست فكرة، ولا هي كلمة، ولا هي علاقة بين الأشياء، ولا هي قانون. الحقيقة هي شخص. إنّها كائن يسمو على كلّ الكائنات ويهب الحياة للكلّ. إذا سعيت إلى الحقيقة بمحبّة ومن أجل المحبّة، فهي سوف تكشف لك نور وجهه بقدر ما تستطيع أن تحتمل من دون أن تحترق.” (القدّيس نيقولا الصّربي)

الحقيقة الشّخص، ذاك ما بلغه المتصوّفون، وذاك ما سلخهم عن العالم فاضطهدهم العالم. ويتبيّن لنا من كلّ ما نقرأه من نصوص المتصوّفين، وأعمالهم الفكريّة والأدبيّة واللّاهوتيّة أنّ الحقيقة الّتي تلمّسوها ثمّ عاينوها هي الله الحبّ. وتلك هي الحقيقة الّتي مهما تُهنا عنها لا بدّ من أنّنا سنصل إليها إذا ما رغبنا جدّيّاً بلوغها. ولكن، من يحتمل هذه الحقيقة؟ ومن يقبلها؟

إنّ الخلل العالميّ قائم على رفض هذه الحقيقة، لأنّه بالاعتراف بها يتعطّل مسار المصالح الشّخصيّة والسّياسيّة والدّينيّة، والاجتماعيّة… وتُنسف أمجاد تاريخيّة فارغة، وتنهزم أيديولوجيّات ونظريّات أخذت من الفكر الإنسانيّ مجهوداً أكثر من اللّزوم. وستمنح الإنسان آفاقاً أخرى للتّفكير وإعادة النّظر بقناعاته وخبراته. والأهمّ التّجرّد والتّخلّي عن كلّ شيء في سبيل هذا الحبّ، إنّه عمل شاقّ ومضنّ وصارم.

من اعترف أنّ الله حبّ، رفض وجوهاً متعدّدة للعدالة واتّجه نحو الرّحمة وحمل على عاتقه ثورة بنّاءة لا ثورة غوغائيّة تقود الشّعوب ثمّ ترمي بها عند أوّل تبدّل أو تحوّل. ليس سهلاً على الإطلاق قبول حقيقة الله الحبّ، حتّى وإن كنّا نتغنّى بها في المناسبات والحوارات. فالله الحبّ حقيقة يمثُل أمامها الضّمير وقبولها استعداد لدفن الأنا القديمة المتمرّسة في الكبرياء والأنانيّة المنغمسة في العالم الّذي خلقه الإنسان لا الله، حتّى تقوم الأنا الجديدة إلى الحياة. إنّها النّور الّذي يتعرّى الإنسان أمامه ليعاين مدى تشوّهاته الفكريّة والنّفسيّة والرّوحيّة. وهي الحقّ المحرّر الدّاحر للعبوديّة. مَن قَبل حقيقة الله الحبّ أعلن مواجهة الموت أيّاً كانت الظّروف والأسباب وتحدّى بشجاعة قسوة القلوب وهمجيّتها من أجل الحبّ وحمل على عاتقه الهمّ الإنسانيّ هازماً الكبرياء المتجذّرة في نفسه. مَن قبل حقيقة الله الحبّ استعدّ للتخلّي عن المنصب والسّلطة والنّفوذ واعترف بشراكة مع أخيه الإنسان وتساوى معه كائن من كان، وذهب بحبّه حتّى المنتهى. فمن هو ذاك المستعدّ لهذه الإماتة إلّا إذا عشق الله وانغمس فيه؟

لمّا بلغ المتصوّفون الحقيقة ثاروا على كلّ ما يعيق الانغماس فيها. لكنّهم ثاروا بهدوء وحبّ واستحالوا شذرات جمال إلهيّ ينشد الحبّ في الوجود. فهدّدوا مصالح سلاطين وملوك ورؤساء لأنّ العالم يخاف من الحبّ. يقول القدّيس يوحنّا الإنجيليّ في رسالته الأولى “من لا يحبّ لم يعرف الله، لأن الله محبة.” (1يوحنا 8:4). وبهذا القول الجريء والقويّ نسف القدّيس يوحنّا كلّ معرفة نظريّة كانت أم عقائديّة أم إيمانيّة عن الله. فمعرفة الله هي معرفة الحبّ والعكس صحيح. وكلّ ما سوى ذلك تخمينات عن الله أو تصوّرات إنسانيّة. لقد انتزع من عمق الفكر الإنسانيّ مبدأ الله النّظريّ، واستأصل من عمق ذاته عبوديّته إلى الله. فالله الحبّ ملء الحرّية، ولا يمكن لعبد أن يتفاعل مع حرّ. لا بدّ من الحبّ المحرّر الّذي ينتزع الكبرياء المعيقة لبلوغ هذه الحقيقة ليتمكّن الإنسان من التّفاعل مع الله. معرفة الحبّ هي معرفة الله، ومعرفة الله هي الحقيقة، وبلوغ

هذه المعرفة إدراك للذّروة الإنسانيّة وخروج عن قيود الشّريعة والمنظومات الدّينيّة وارتحال في عشق الذّات الإلهيّة والإصغاء إلى صوتها الّذي يتردّد في النّفس.

قد يقول قائل إنّ الأديان كلّها تتحدّث عن المحبّة، إلّا أنّه ثمّة فرق شاسع بين الحديث عن المحبّة وإعلان الحقيقة القائلة إنّ الله محبّة. الأديان كلّها تظهر بشكل أو بآخر أنّ الله يحبّ. وذاك أمر خاطئ لأنّه يجنح إلى نسب فعل الحبّ إلى الله ضمن أفعال كثيرة، ويشرح الحبّ الإلهيّ عاطفيّاً. والعواطف غير ثابتة، تتأرجح بين الإيجابيّة والسّلبيّة. وذاك دليل نقص. الله لا يحبّ، وإنّما الله هو الحبّ. ولو لم يكن الله هو الحبّ لما كان الله، ولالتبس مبدأ الوجود الإلهيّ من ناحية الحقيقة.

أعلن المتصوّفون الحقيقة القائلة إنّ الله حبّ، من خلال عشقهم اللّامتناهي لله، وانغماسهم في هذا النّور الأزليّ الأبديّ دون أن يسبّبوا أيّ أذى لأحد. بل ما زالت أنوارهم حيّة في النّفوس وستظلّ تشعل فيها نار الحبّ الإلهيّ، وترشد النّاس إلى الحقيقة وإن رفضوا. هؤلاء المتصوّفون العاشقون لله الشّخص يتغرّبون عن العالم لا هروباً منه، بل لأنّهم بعشقهم لله يعاينون العالم كما خلقه الله فيغتربون عن العالم الّذي ابتدعه الإنسان. يقول القدّيس يوحنا الدّمشقيّ: “أي نعيم في الدّنيا ثبت لم يخالطه حزن؟ أم أيّ مجد استقام على الأرض من غير انتقال، الكلّ أضعف من الظّلّ، الكلّ أخدع من المنام، في لحظةٍ واحدةٍ جميع هذه الأشياء يعقبَها الموت.” ويقول جلال الدّين الرومي: “ﺍﻟﻌﻤﺮ ﺍﻟّﺬي ﻣﺮّ بلا ﻋﺸﻖ ﻛﺄﻧﻪ ﻟﻢ يكن، ﻓﺎﻟﻌﺸﻖ ﻣﺎﺀ ﺍﻟﺤﻴﺎة، ﺗﻘﺒﻠﻪ ﺑﻘﻠﺒﻚ ﻭﺭﻭﺣﻚ. وﻛﻞّ ﻣﻦ لا يعشقون ﺍﻋﺘﺒﺮﻫﻢ أﺳﻤاكاً ﺧﺮﺟﺖ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﺀ. ﺍﻋﺘﺒﺮﻫﻢ ﻣﻮﺗﻰ ﺫﺍﺑﻠﻴﻦ، ﺣﺘّﻰ ﻭإﻥ ﻛﺎﻧﻮﺍ ملوكاً”.

بمَ أضرّ هؤلاء المتصوّفون الإنسانيّة فاتّهموا بالكفر والزّندقة وصُلبوا وذُبحوا وأُحرقوا؟ فالأولى أن يقال إنّهم شكّلوا خطراً على السّلطة الموكّلة بحماية الشّريعة وعلى المصالح السّياسيّة فتخلّصوا منهم بحيث لا يبقى منهم شيئاً.

يخاف الإنسان الحبّ، لذلك يخشى الحقيقة ولا يحتملها. فمنهج الحبّ طريق شاقّ وحارق. يحرق شوائب الإنسان، ويبتر أناه الفاقدة للحبّ، ويطوّعه بشكل صارم إلى إنسانيّته الّتي هي على صورة الجمال الإلهيّ.

كلّ متصوّف مرّ في التّاريخ، كان دليلاً قاطعاً على همسات الله الجاذبة، وعلى هذا الحضور الّذي فوق قدرة احتمال الإنسان، إلّا أنّه بسيط لطيف إذا ما تغلغل في النّفس ارتفع بها نحو القمّة.

لا تعليقات

اترك رد