سمر الدريعي .. وجوه تتراكم فيها ملامح التعبير التراجيدي

 

الفنانة التشكيلية – سمر الدريعي – المقيمة في رومانيا منذ عقدين من الزمن، هي، سورية كردية ، ومن مدينة حلب تحديداً، وبمناسبة معرضها الشخصيونيلها درجة الماجستير في ( بوخارست ) ، في أعمالها التشكيلية, تتكالب في هواجس مشاعرها صخب من التوترات ، وتبادل للمشاعر إلى مايحل في بلد الأم من فورات ساخنة ومثيرة، وخاصة في أحداثها الحالية..

من دمار متنوع بشري وعماراتي، بيئة ووجوه ناحبة. . وأنين حزين على أوتار النطق بمقاماتها ألتي تناغم الصبا والحجاز وأنغام شرقية حزينة أخرى، تلك الأعمال. .تتمظهر باختيارات تكوينية رئيسة للإنسان والتكوينات الحية جميعها ومنها البشرية، إنها ( الوجوه ) ألتي تعد محصلة ومركز الكائن الحي، لأن الوجوه هي الصفحة الأمامية للرأس لكل الكائنات، والمواجهة بين الآخرين مأخوذة من كلمة ( الوجه) والتي يعقبها في الخلف الدماغ المتنوع في الوظائف منها للذاكرة ، وأخرى لإصدار الأوامر إلى وسائل التنفيذ الجسدي بكل أنواعه في الحركة والنشاط والوجود والإسترخاء..

تلك الشبكات المعقدة ألتي تصل إلى الأبعاد الخيالية في الدقة والحجم والعدد من خلايا ووظائف، لايسودها أو يتوسطهما أي جانب من الوجود المنعزل عن وظائفه، أو وجوده بالخطأ مع من يجاوره في الرأس أو الجسد، تلك الشبكات المعقدة..تتجسد خلاصتها بملامح الوجه، بكل تفاصيلها، في الأعين ألتي ترمز إلى الحزن والفرح والمحبة والحقد والطيبة والضغينة أو النقاء والنيات الحسنة، لذلك عندما يتم الحوار أو اللقاء أو المشاهدة تقودك الأنظار إلى تفحص الأعين ومتابعتها، وبعدئذ ملامح ألفم وحركات الأنحناءات ومايناظرها من معاني دلالية. . تلك الأهمية ألتي تختزلها الوجوه للعقل والآثار ..

إختارتها الفنانة – سمر الدريعي – بتلقائية ووعي مقترنتان في النتيجة كخلاصة إلى ماتشعر به من إنعكاس سايكولوجي ذاتي. . وأحداث لبلدها الأم الذي قطع أشواطا من الفوران الساخن.. وخاصة مدينة – حلب – السورية ، إنها مشاعر الإحساس الرقيق والإخلاص المترابط بالوفاء والتأثر لنتائج الدمار الشامل. . لقد إنعكس ذلك بملامح تعبيرية واقعية. .(لبورتريتات ) تعود إلى تشخيص مشخص في مخزونات العقل الباطني، وأحداثه الحالية المعاصرة والمباشرة..

ولم تقتصر تلك الملامح التعبيرية عن أحداث لحروب جارية، قد تزول في مجريات الأيام والزمن، وربما تعود في زمن آخر وبمنطق وسبب مغاير ومختلف.. أقول لم تقتصر تجسيدات الفنانة – سمر الدريعي – على تلك الأحداث تحديدا، وإنما عن معاناة المرأة عبر أزمان وعصور متوالية، بسبب التركيبة البنيوية الإجتماعية .. وما يصاحبها من تخديش في التوازنات الحقوقية والإجتماعية للمرأة وقوانين أحوالها الشخصية .

وبذا فأن ألفن المرأي البصري والسمعي يسوقها نحو خيال ( معرفي ) وليس خيال (سرمدي ) يبتعد عن المشخصات الواقعية . وعمقها التعبيري.. تلك التجسيدات تتوافق مع ميولها المنطقية السمعية للموسيقى والغناء بصوتها الشجي.. ( هواياتها الأخرى ) الذي يحكي إيقاعاتها المتوالية وتوازناتها المتنوعة وحركتها المتبادلة وعمق هايرمونية تدرجاتها اللونية وسيادة تكويناتها الرئيسة للعمل الفني. . إنها عناصر تشكيلية تنطق بأنغام حزينة مكبوتة بواسطة أسسها التشكيلية..دون وازع من الخروج نحو العبثية العشوائية في الحركات التراجيدية الحرة.. حتى في بعض أعمالها ألتي تحاكي إنعكاسات أجواء الطبيعة .. والتي يمكن منحها حرية الأداء التكنيكي.. وبموادها المتنوعة الملموسة والغائرة، الخشنة والناعمة .. لذلك التجسيد يتحاور مع الإلتزام الأدائي للنسب الذهبية للأجساد والوجوه وملامحها التعبيرية الواقعية

– بنيته أعمالها التكوينية –
تتمخض بنية تركيبتها الأدائية للتكوينات التشكيلية المتمثلة بالأجساد والوجوه بأجواء المناخ الذي يخلوا من الألوان المتضادة والحادة ألتي تبث إشارات صاخبة من أصولها الصريحة المجردة من التدرج أو الإندماج مع الألوان الحيادية.. بل ما نلاحظه في الصيغة المستخلصة لباثات إشاراتها اللونية. .فيها ألوان حيادية وأخرى متدرجة هايرمونية الإنسجام. .

والذي يقترب ويحاكي منطق إشارات الحزن والأنفعالات التراجيدية.. إنها أجواء أحادية الشكل العام ولكنها مختلطة مع ألوان تبعدها عن الألوان الرئيسة الصريحة ألتي تتفاعل مع البهجة المبالغ بها. . وبخيال كوميدي مفترض. . حيث تقترب من مصداقية الإخلاص والإحساس بأبناء بلدها وبمعاناتهم القاسية..برغم وجودها في بلد يخلوا من تلك الأحداث التراجيدية العنيفة المؤلمة..

وهذا الأمر لاينعكس على فكرة جميع من يعيشون في أجواء مغايرة وفي بلدان الهجرة والاستيطان الدائم.. وإنما شعور ينتاب ذوي التواصل والمواهب الفنية والأدبية والثقافية بشكل عام.. تنتاب وتتداخل خطوط تتوسط مساحات الإتصال بين مفردات الأجزاء للتكوينات.. كي تمنح الوجوه قوة من إيصال الثيمات الفكرية والتعبيرية، في الملامح.. وهي ترسيخ وتأكيد على مضامين الإشارات البنائية لعالم الشعور والغايات.. ونلاحظ في أكثر أعمال ( البورتريت )، إنعكاس مطابق لملامح وجهها، أي إن الشعور هنا يكون مشتركاً مع الآخرين، أو هي تكون الوسيلة المجسدة والممثلة لشخصيات تشعر بهم وبداخل نفوسهم المكتنفة بالأختناق الداخلي والمنحبس ضمن إطار هواجس المشتركات المتطابقة والمتوافقة في المشاعر والظروف في الزمان والنشيء ( المكان) ، بتلك الصيغ الأدائية للتكوينات والتعبيرية لها.. تكون مهمة الأيصال للباثات التعبيرية الواقعية..

هو الأكثر إقترابا من وإلى الآخرين. . للفهم والتلقي الذي يعد المرحلة الأولى من مراحل التذوق الفني التشكيلي ، أي ما بعد التنبيه والإنتباه والتأمل والمقارنة والتقبل البصري والتبصيري الإدراكي لتلك الأعمال الفنية.. لذلك بهذه الأيصالات الفكرية والتنفيذية تتحقق مراحل الغايات والأهداف المعرفية والروحية للفنانة – سمر الدريعي – لذاتها الخاصة ولمن يشاركونها في الشعور والمعاناة والتلقي الإستمتاعي والهيجان الوجداني والتذوقي . حيث تتبع وسائل تكنيكية أخرى مساهمة في تلك التجسيدات والإيصالات للمعاني والمفاهيم النفسية والمعرفية.. منها إدخال مصبات من التنقيطات السائلة على الوجوه من الأعلى رأسيا على المساحات الأخرى.. وكذلك إستخدام الخطوط الدقيقة المتداخلة مع الألوان، وكأنها خطوط بأقلام الروترنك. . فضلا عن إستخدام التكنيك اللوني المقارب إلى الإنطباعية التنقيطية، ولكن بصيغتها الإختيارية الخاصة ألتي تفرد خصوصية ملامح شخصنة أسلوبها المتفرد

شارك
المقال السابقنظرة أخرى لمسألة الإتجار بالبشر
المقال التالىأنا وكبريائي

ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تن....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد