كيف تم دفع أجيال من الشباب العربي للارتماء في حضن التنظيمات المتطرفة؟!


 

التطرف هو الإبن الشرعي للدولة التحديثية العربية لتي نشأت منذ عقود والتي لم تبدع في شيء قدر إبداعها في تهيئة ظروف انتشار تيارات التعصب والعنف يسارية كانت أم يمنية، واستثمارها في لعبة الصراع مع الغرب وأمريكا.

لقد قضت تلك الدولة على أحلام شباب الأمة في بناء واقع سياسي واقتصادي تنموي صحيح ومتين يستوعبهم ويحتويهم ويدفعهم عمل المنتج والبناء. فكانت سياسات المنع والقمع، سياسات كم الأفواه هي السائدة والمهيمنة على دول ما بعد الاستقلال الشكلي، إلا ما ندر. هذه الظروف الضاغطة التي تسببت بها جموح العسكر للسلطة والحكم، قسمت لناس،

وميزت بينهم، ودفعتهم للهروب والفرار والهجرة خارج البلدان، أو للعمل ضمن أحزاب وتنظيمات تحت الأرض. فخسرت الأمة الاجماع المبني على الشرعية، وتسلطت النخب الطفيلية على مقدرات الشعوب..ودارات الأيام، ودخلت الأمة في أتون صراعات عديدة، فجرت داخلياً نتيجة الارتهان والإرادات الضعيفة والنخب الأنانية،

حتى وصلنا إلى الانفجارات الجهادية والتنظيمات الراديكالية، كأحد أبرز الأمثلة على نتائج ومآلات ليالي وعهود القمع الطويل، وعدم حسم قضية الإجماع الشرعي الطوعي لجماهير الأمة.. فها هو تنظيم القاعدة الإرهابي المتطرف نشأ أساساً برعاية كل من السعودية وباكستان والولايات المتحدة بهدف (كما قالوا وفعلوا) دحر القوات السوفيتية، وإعادة أفغانستان للحضن والانتماء الإسلامي، ولكن ما جرى كان تدميراً لدولة أفغانستان نجيب الله (الماركسي اليساري الكافر!!! كما وصفوه).. وسمة التكفير هذه لم تتوقف عند أفغانستان، فقد مشت اللعبة السياسية في كل أرجاء المنطقة الملتهبة، وأيضاً ها نحن اليوم نحصد في بلدان أخرى آثار هيمنة تلك التيارات السياسية الإسلامية المتطرفة، دماراً وخراباً شاملاً ومعمماً. وكل ذلك يأتي تحت ستار الدعوة الدينية والحفاظ على المقدسات وإقامة الدولة الإسلامية، دولة

الخلافة..!!..

إنني أعتقد أن الخطر الاكبر الذي يحدق دوماً بالدين لا يأتي ولن يأتي أبداً عن طريق التيارات المضادة للدين سواء كانت تيّارات إلحادية متطرفة أو غيرها.. بل يأتي عن طريق الدّين ذاته، عبر دعاة التّدين والتبشير الدّيني أنفسهم، ممن يزعمون حراسة الدين وحمايته والدفاع عنه… يأتي من تطرف وتعصب وانغلاق هؤلاء، من كراهيتهم للحياة والإنسان وقيم الإنسانية ومبادئها.. هنا يكمن برأيي الخطر الأكبر الماحق للدين والقيم الاخلاقية الدينية، وهنا تكمن أيضاً مسؤولية المثقف الديني -على وجه الخصوص- في حماية الدين من الدين ذاته.. ومسوؤليته في تعميق الحس النقدي ونقد الذات.. ففي ظل العطالة الحقيقية والمقنعة لأجيال الشباب، وفي ظل عدم وجود أية برامج تنموية حقيقية جدية لدى مؤسسات الدولة العربية الحديثة لرعايتهم واستثمار طاقاتهم ومواهبهم، وجد هؤلاء في مناخات التاريخ الحاضر بقوة، وفي كتب وخطابات دعاة السلفية (الجهادية منها وحتى السلفية الإحيائية) وجدوا ما يروي عطشهم وجوعهم لمعرفة أي شيء عن الدين، غير الدين (الرسمي الوعظي المدجّن) الذي عرفوه وتعاطوا معه ونشاؤوا عليه.. وجدوا في تلك الكتب والفتاوي والخطابات الرافضة للمجتمع التي كانت تنتشر سراً وعلانية، ما يشبع نهمهم واندفاعهم إلى التحرر من قبضة الضغوطات السياسية والمجتمعية الداخلية، ومن إسار الخوف.. هذا كان يجري مع انتشار ثقافة تكفيرية في الجو العام تكفر الدولة العربية الناشئة منذ عهود الاستقلال عن الاستعمار الخارجي، وهي التي كانت تُصور لهم (في كتب سيد قطب وأبي الاعلى المودودي وأبي الحسن الندوي وغيرهم) كدولة إلحاد ومجتمعاتها كمجتمعات جاهلية.. وكان يقدم لهم الجهاد فقط في إطار فكرة واحدة وسبيل واحد هو قتل المخالف في الدين، واعتبار هذا الجهاد مجرد جسر عبور إلى جنات النعيم، حيث ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

إذاً الأخطاء القاتلة للدولة العربية، والتي توازتْ مع وجود ثقافة تكفيرية قائمة، مضافاًإليه حالة فشل تنموي وعقم مجتمعي صريح وواضح، كله أدى إلى تفشّي وانتشار وتوسّع وتجذّر مرض التطرف والإرهاب في أرض وسماء مجتمعاتنا وعالمنا العربي الإسلامي. واليوم كما نرى، الحصاد مر وعلقم، وأنهر من الدماء، كما قلنا.

وللأسف -نقولها بأسى وحزن ومرارة- لم يستخدم أو يستثمر المال الخليجي أكثر مما استخدم واستثمر لتدمير عقول شباب هذه الأمة، على مدى عقود طويلة، من الجهاد الأفغاني إلى نشر الثقافة الدينية الفتوائية الوصائية…الخ… واليوم يستغل هذا المال ويضخ لتعميق التجهيل وثقافة التخليف في الإعلام والقنوات الإعلامية المعروفة من خلال ما يشاهده الناس في فضائيات النفط من انحطاط أخلاقي وتدهور قيمي لا نظير له من بث لثقافة الاستهلاك وتعميم عقلية اتكالية انفعالية.

لا تعليقات

اترك رد