زمن الرداءة : أوراق من دفاتر الزمن


 

الى صديقي حسن متعب

تتجدبنا الكلمات ..كي نعلن عما تخفيه لواعجنا،وما تعبر عنه هواجسنا في مواجهة رتابة الأيام..أيام منسوجة كنسيج خيوط العنكبوت ..تتساقط كأوراق الأشجار في كل خريف ..أيام تذهب وأيام تأتي ..وتذهب معها أيام عمرنا الحلوة،تأتي أيام نواجه فيها المجهول نواجه قدرنا ..فيليت كلماتي قادرة عن التعبير عما يعتصر عقلي من أفكار حول الحال والمجال ..وعما يعتصر قلبي من حزن وأسى على واقع أمتي المرير،تفرقة و تشرذم و طائفية و عرقية وإرهاب،ومشاكل اجتماعية لا تعد ولا تحصى..يا ليت كلماتي قادرة عن التعبير عما تدفنه أحاسيسي من حب للناس والوطن.

زمن الرداءة ..رداءة الحس والاحساس ..ما عاد الانسان يحس بالجمال ويتلامسه بعد هذا الخراب..بعد خراب العراق وسوريا واليمن وليبيا ..ما عادت مياه الرافدين تروي عطش الظمآن بعدما امتلأت بدماء الأبرياء ..ما عادت يمن الحضارة والناس الطيبين،مكان للعيش بعد هذا الدمار والخراب بأيدي إخوة العروبة والاسلام..

زمن الرداءة..رداءة الفكر ..فبعدما كنا نلتهم روايات نجيب محفوظ ودروب حاراته..وفكر الجابري وبحثه في التراث عن أزمة الفكر بنظرة علمية متنورة،تنهل من الفكر الفلسفي الصافي،الذي يؤمن بالعقل فكرا وثقافة..ونغذي احساسنا بسينما،تنقل لنا الشخصيات من الورق لتعطيها الحياة في إبداع جميل ولمسة فنية أروع..وتسمع اذاننا موسيقى عذبة جميلة،تنبعت من صوت العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وترانيم عوده الجميلة،وصوت فيروزالشجي بموسيقى الرحباني ..زمن ولى،لنعيش الرداءة في كل شيء..أشباه مفكرين ومثقفين،يعتمدون تقنية “كوبي كولي”..وأشباه مغنين،لا كلمات جميلة ولا لحن شجي فقط صناعة نجوم من ورق..إنها الرداءة في أقوى تجلياتها.

زمن رديء في كل شيء ..في سياسته،وفي فكره،وحتى في ذوق الانسان واحساسه.زمن ما عدنا نشعرفيه بالابتسامة كالسابق..فقدنا ضحكة الأطفال ..ما عادت لا المسلسلات الكوميدية ولا المسرحيات الهزلية تضحكنا..ما الذي حصل؟ ونحن كانت الابتسامة لا تهجرنا وقفشات الممثل عبد الرؤوف – كوميدي مغربي- على بساطتها تضحكنا،ونشرة عزيز الفاضلي الجوية ننتظرها كما ينتظر الفلاح غيث السماء..تحولت ابتسامتنا الى غيوم ملبدة،ونحن نصحو كل صباح على فلسطين مستلبة وعراق جريح وسوريا تئن ويمن يعاني القهر والفقر..تحولت ابتسامتنا الى غيوم ملبدة،ونحن نصحو كل صباح على جرائم القتل والاغتصاب وزنا المحارم

والانتحار.. ونعيد غسل وجوهنا وكلنا دهشة وتساؤل: هل نحن في بلاد العرب؟.. أرض الاسلام والتسامح والمحبة والسلام،لنكتشف أن الاسلام تغير بفهم خاطئ لتعاليمه وقلة اجتهاد، وغذا عنوانا للارهاب..وأن العرب الطيبين المتسامحين،أصبحوا غلاظا شدادا على انفسهم واخوانهم،عوض أن يكون كذلك على العدو المندس والمرتزق والارهابي،ولكم في حصار قطر خير مثال.

هاته كلمات أكتبها،بعدما اختلطت علي المفاهيم،بعدما أصبح العميل وطنيا والوطني مندس عميل،بعدما أصبح المقاوم ارهابيا والجبان الرعديد قويا.. بعدما أصبح عديمو الضمائر والانسانية،هم من يتحدثوا عنها..أسعى الى اكتشاف المجهول وفهم ما يجري..اثنا وأربعون ورقة تساقطت من شجرة عمري في غفلة مني،في رحلة البحث هاته ..تساقطت في رمشة عين ومرت كسحابة عابرة ..فيليت الزمان يتوقف،لنعيد قراءة أفكارنا ونصحح أخطائنا بقلم أحمر..ونعيد رؤيتنا وأفكارنا..ونتخذ مواقفنا الصحيحة في الوقت المناسب..لكن هيهات أن يعيد الزمان نفسه..هيهات ان تتوقف مشيئة القدر ..فسفينة العمر ماضية سائرة،تشق طريقها تلاطم الأمواج والعقبات بحثا عن الأمان،كما شق مركب صديقي حسن وبهارا وغيرهم طريقه بحثا عن الحرية في رائعته “أحزان في الباسفيك”..مركبي كذلك يبحر بحثا عن الأمان ومرسى القلب والفؤاد ..وما أحوجني إلى استراحة محارب كي استجمع ما تبقى في نفسي وقوتي لأكمل المسير.

لا تعليقات

اترك رد