بنتين من مصر


 

_ وقف المهندس طه مسعود خارج غرفة الفحص ينتظر تشخيص الطبيب لحالة ابنته التى تدهورت خلال أسابيع قليلة بسرعة شديدة ،
_ دقائق ولحظات من التوتر والقلق المميت.. ولكنها مرت وانتهت بعد أن خرج الطبيب ليخبره بأن ابنة التسعة أعوام أصيبت بضمور فى العضلات وهو ما أثر على أطرافها بهذا الشكل، وأنها من الآن فصاعداً لن تتمكن من الحركة إلا بواسطة كرسى متحرك وبمساعدة الأهل، ثم ألقى عليه بعض النصائح والتحذيرات الضرورية والتى يجب عليهم المداومة على اتباعها،

_ أنهى الطبيب حديثه ثم مضى، وظل المهندس طه فى مكانه مصدوماً لا يعرف كيف يخبر ابنته أنها لن تذهب إلى مدرستها بعد اليوم، وأنها لن تستطيع الوقوف والجرى واللعب بعد الآن،

_ ثم انتبه إلى أن ابنته تنتظره داخل غرفة الفحص، إستجمع قواه وغالب دموعه، و رسم ابتسامة باهتة على وجهه وهو يحملها إلى السيارة،

_ محاولات عدة قام بها الأهل لدى الأطباء بحثاً عن علاج لطفلتهم التى انتهت حياتها بلا مقدمات.. ولكن دائماً ما كانت تأتيهم نفس الكلمات : “بكل أسف الشفاء شبه مستحيل”

_ لم يفقدوا الأمل، ولكن كثرة السعى لدى الأطباء وبين أروقة المستشفيات قد أعيتهم وبمرور الأيام بدأوا تقبل الأمر، خاصة بعدما رأوا “آية” تتعايش مع واقعها الجديد فى امتثالٍ مثيرٍ للدهشة، إلا أن أكثر ما كان يؤلمهما هو عدم تمكنهما من تلبية رغبتها فى العودة إلى مدرستها،

_ إصرارها الدائم على استكمال دراستها منحهم طاقة إيجابية وخلق بداخلهم دافع قوى على مواصلة الطريق معها برغم ما ينتظرهم من صعاب،

_ وبدأت “آية” الدراسة من المنزل، وحاول أسرتها توفير المناخ الملائم وتوفير سبل الدعم قدر استطاعتهم ،
و تجتاز “آية” السنة تلو الأخرى بنجاحٍ وتفوق، حتى وصلت إلى السنة الثالثة الحاسمة فى المرحلة الثانوية، فأقبلت عليها بكل ما تحمله من ثبات وإصرار، ووصلت عدد ساعات دراستها إلى ١٢ ساعة يومياً.

_ وهناك.. فى حى مدينة نصر وفى تلك الغرفة القابعة أسفل إحدى عمارات هذا الحى الراقى جلس “فتح الباب” حارس العقار ينظر إلى بناتهِ الخمسة محاولاً التخلص من مشاعره السلبية التى سيطرة عليه، فكم تمناهم ذكوراً، ففى عرف المصريين ولاسيما أبناء الريف الذى ينتمى إليه (الولد هو السند لأبيه)، ولكم حصد فى كل زيارةٍ لقريتهِ نظرات شتى، هنا نظرة شفقة على حمله الثقيل، وها هى نظرة التباهى والتعالى ممن أنجب الذكور، ومن بعيد أتته نظرة شماتة وتشفى وكأنه أجرم فى حق نفسه أو وقع فى ورطة بإنجابه لبناتهِ الخمس،

_ لا زال هذا النمط من التفكير جزءاً من الموروث الإجتماعى بكل أسف، ويشكل قناعة لدى ملايين المصريين فى جنوب مصر ودلتاها بل وفى المدن الكبرى أيضاً وحتى العاصمة، إلا أن “فتح الباب” قد تحرر كثيراً من تلك المعتقدات بفضل وجوده وأسرتهِ فى القاهرة لسنوات، إلا أنه ورغم ذلك لم يستطع أن يبرأ كليةً من هذه القناعات وهذا النمط فى التفكير، خاصة عندما تلاحقه النظرات والعبارات التى تؤجج مشاعره السلبية باستمرار،

_ فطنت “مريم” أكبر بناته بذكائها المعهود إلى هذا الصراع النفسى وذاك الخلل المجتمعى، وعز عليها رؤية والدها يُعايَر من الجاهلين (بخلفة البنات) فجلست أمامه وهى فى الصف الثالث الإعدادى وشدت على يديه ونظرت له بكل ثبات، وبنبرةٍ يملؤها الثقة والإصرار عاهدته قائلة: ( والله العظيم حاثبتلك انى أحسن من مليون ولد واخلى كل الناس تتكلم عنك )

_ من أين أتيتى بتلك الكلمات يا “مريم”.. وأنى لك بإدراك تلك المشاعر شديدة التعقيد يا ابنة الخمسة عشر ربيعاً،
_ لم يستطع والدها نسيان هذا اليوم ولا تلك النظرة أو ذاك العهد، وأحس يومها بشعور جديد ومختلف، آمن بها وبقدرتها على فعل شئ عظيم، عاهد نفسه أن يظل داعماً لها طوال المسير مهما كلفه الأمر، ومهما كانت الظروف.
_ إجتازت “مريم” الإعدادية بتفوق وواصلت زحفها نحو السنة النهائية للثانوية بكل إصرار ، واتخذت من أحد “المحلات غير المُستغلة بنفس العقار مقراً لدراستها وقاعدة للإنطلاق نحو هدفها، واصلت ليلها بنهارها، لا مجال “لدروسٍ خاصة” فهى تعلم الحال جيداً،

_ وجائت الليلة المرتقبة، الجميع فى انتظار إعلان النتائج، إنها ساعة الحصاد،
_ “آية” و “مريم” من أوائل “الثانوية العامة” على مستوى الجمهورية،
_حقاً إنه الحصاد.. حصاد جهد عظيم، حصاد الإيمان بالله والرضا بقدره وقضائه، والقناعة بالحال والمآل،
حصاد عفة الأنفس واستوائها ووفائها ، حصاد الإرادة والإصرار والبذل والعمل، حصاد الأخذ بالأسباب والتوكل على الله وحسن الظن به،
_”آية طه مسعود” و “مريم فتح الباب” (بنتين من مصر)
ملأت أخبارهن وتفاصيل حياتهن وقصة نجاحهن الصحف والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعى،
حياة عادية بلا رفاهية، لم يحصلن من الوطن إلا القليل ولكنه فى أعينهن كثير وعظيم، تتمنيان خدمته رداً لدينه وتأديةً لحقه عليهن.. فما أعظمهن ،
الدروس المستفادة والرسائل البراقة أراها كثيرة ومتاحة كنموذجاً للكفاح والإصرار والتحدى ، متاحة لنا كى نستزيد، ولشبابنا كى يتعلم.. فما أحوجهم،
ولكنها متاحة فقط لمن رأى ولمن آمن ولمن أراد أن يعلم ويتعلم أنه مثلما يخرج النور من قلب الظلام والرُكام.. يولد النجاح من رحِم المُعاناة والآلام.. وتبقى “الإرادة” هى كلمة السر السحرية فى تلك المعادلة الأزلية.

لا تعليقات

اترك رد