اللوتي

 
(لوحة للفنانة سمر الدريعي)

غريبة هذه الحياة، قاسية وعجيبة وبلا منطق يمكنها أن تواصل تعليمك حتى تظن انك صرت العليم ببواطنها وبلطمه مباغته تسرق أنفاسك وثقتك التي كرستها بجهودك المضنية ،هذا ما حدث لي أمس ولهذاـ كما تراني ـ اجلس في هذا اليوم الكئيب بلا طاقة بوجهي الغير الحليق المتهدل الملامح، لم استطع الرد على هاتفي المحمول ولا أجبت رنين الجرس الذي تصاعد في الشقة منذ الصباح ….
كل ما في راسي الآن هو صورة سلمى المتشحة بالسواد تجلس وحيدة قرب القبر بين أشجار العنب والتين تنعّي بصوت حنون وبلابل الأشجار تتنصت لها .
حينما تركت البلد منذ ثلاثين سنة وبجيبي شهادة الهندسة المعمارية وقليل من الدولارات لم يخطر ببالي أن حضرة المهندس الطموح سيعمل سائق شاحنة في ألمانيا تجاوزت الأمر فقد كان الطموح جامحا ثم درست اللغة وعلم النفس ـ ببساطة لا يمكنك أن تحزر ما سيكون حالك بعد سنة من يومك هذا لكن يمكنك أن تثق(على الأقل) بقدراتك ـ تدرجت في الأعمال حتى منحت وظيفة مترجم ومنسق ثم خبير في دائرة الهجرة وبرعت في عملي واكتسبت ملامح الناجحين الواثقة حتى جاء (عدنان )العراقي ليطيح بكل شيء . قبل أسابيع احتدم الجدال بين سبعة لاجئين (عراقيين وسوريين) يلعبون الطاولي في المخيم كانت الجلسة رائقة تضمنت النكات والذكريات ثم تصاعد النقاش حالما قطعت القناة الألمانية بثها الحي لإحدى الكرنفلات لتنقل حادثة دهس قام بها احد الإرهابيين بشاحنه لمواطنين ألمان،توقع اللاجئون المتاعب القادمة وقوائم الأسماء التي سترفض، خصوصا حينما اتضح بعدها أن الإرهابي من أصل عربي ، وتصاعدت الأصوات :
ـ أخبرتكم انه عربي. لم ينجح في الوصول لأوربا الضعفاء ولا قليلو الحيلة ولا الفقراء هؤلاء ما يزالون هناك في الوطن يا عزيزي(صاح احدهم بحنق )
ـ كلنا لفقنا من القصص التي يفضلون لننالها،( أجابه آخر)
ـ كن منصفا يا صديقي كل من خرج من حفرة الجحيم تلك مظلوم ومغبون وملعون منذ ولادته، دمروا بيوتنا أغلقوا أبواب الرزق في وجوهنا هددونا وطاردونا لم يبق هناك سوى العاجزون ومن استفاد من الوضع أو شارك السراق الغنيمة. شق السكوت القلق صوت آخر وآخر وتصاعدت الاتهامات وتبادلت الفرق كلمة انتم ككرة بين ملعبين و كاد أن ينقلب الصراخ لعراك بالأيدي. ((يكفي)) صحت بأعلى صوتي فالتفتت الوجوه الغاضبة نحو مجلسي وبشعري الأشيب وملامحي الهادئة، وبسبب عمري الذي يزيد عن أكبرهم بعشر سنوات استطعت أن أعود بالجلسة إلى جرف هادئ تحدثت لهم عن المآسي التي صادفتني في عهد الدكتاتور ثم حكيت لهم عن ما صادفني من قصص المهاجرين بحكم عملي ((لا احد يغادر الوطن يا إخوتي بسبب البطر، كل من غادر كان ضحية)) قلت وصار أن خطابي أتى أكله وبات الأخوة يعتذرون لبعضهم وعاد جو الألفة وواصلوا السهرة بسلام . بعدها بيومين كنت في ماركت لبيع الدخان حينما سمعت صوتا مألوفا يلفظ الكلمات بطريقة متلكئة فهببت لمساعدته وكومضه رعد أضاء الوجه ذاكرتي هذا الجرح القديم بطول الخد والصوت الذي يلفظ الراء بطريقة غريبة، رجعت بذاكرتي لسنتين مضت كان هذا الرجل الارتل لاجئا جديدا وكنت احد ثلاث أشخاص التقينا به في مكتب المقابلات دخل بوجه داكن أحرقته الشمس ضئيل الجسد ناحل الرسغين مبتسما بحزن،صار يحكي وهو يشوح بيديه ويوزع البسمات بقلق وضعف أمام الضابط .
ـ لا احد يدري يا سيدي متى سيقرر أن يتوقف عن تلقي الصفعات ويرحل(تنهد الرجل قائلا) ينفلت هاربا من كل شيء، يغلق باب الماضي على كل الجثث التي تعفنت ومازالت تعبث بأيامه باقتدار بعد أن صار الحفرة التي تتلقى كل قمامة الآخرين وهي ساكتة، أنا سعد المسعود يا سيدي يقولون في بلادنا (سعد حظه وحظ أمه كعد) لكنه كان نائما كل الوقت حظي وحظ أمي، اعتذر يا سيدي فقد اخبروني هناك إنكم شعب منضبط لا تحبون الملاطفات الكلامية ولا ادري كيف سنتفاهم معا فجماعتنا يحترفون الضحك والاستهانة بكل شي (حشاشة أصليون) ألا تعتقد يا سيدي انه أمر نفسي ،أن تضحك وكل تلك المصائب جاثمة على قلبك .
تبسم جميع من في الغرفة حتى الضابط الألماني المتجهم بعد أن تلقى الترجمة متأخرا، بينما أكمل سعد صافقا كفيه ((وكأن ليس من احد سوى سعد المسعود يمكن أن يحدس ما حدث لعدنان أبو كذيله،الجثة التي وجدوها بين أشجار الكرز والتفاح في قرية من قرى الشمال مثخنة بالجراح مليئة باطلاقات الرصاص وفي جيب سترته العسكرية جواز سفري أخبرتهم انه استعار ملابسي قبل اسبوع وكان الجواز في جيبي ولم يصدقوني ، أخذتني الشرطة وأشبعتني ركلا ثم أخرجوني لأن شاهدا قال أن ما حدث كان بسبب عركة بين عدنان والمهرب التركي . بعد يومين التقطني جماعة من حزب الدين قالوا انه كان يعمل كوسيط بينهم وبين المهربين وإنني كنت مرساله في الشمال ، هجموا على دكاني وكسروه واحتجزوني وأشبعوني ضربا ثم تركوني فوجئت في اليوم التالي بوابل من الرصاص وقنبلة صوتيه تنفجر أمام بيتي وإذا بي مطارد من شيوخ خمس عشائر تطلب مني دية أبنائهم الذين قالوا أن عدنان ـ اللوتي ـ قتلهم بمساعدتي في الطريق إلى أوربا . عبثا حاولت أن اخبرهم أن لا علاقة لي بعدنان سوى أن أبوه كان ابن عمي وإنني اعتنيت به بعد موت والده وشاركته في المحل حتى إنني حاولت أن أتزوج من سلمى والدته بعد وفاة أبن عمي لكنها رفضت حتى إن زوجتي غضبت وطلبت الطلاق وهي ما تزال منذ سنة في بيت والدها وها أنا ذا خسرت محلي وهربت من بيتي ، الحكومة والعشائر والحزب يطاردونني ماذا كنت سأفعل يا سيدي ابن عمي وشريكي لجا لي في تلك الليلة المشؤومه كان الدم يقطر من أسنانه وهو يحكي عن تورطه بمشكلة مع مهاجرين قال انه بعد أن نسق لهم مع المهرب اختفوا في البحر،قال أيضا أن الحكومة تطارده لعلاقته بعصابات التهريب وان بعض الأحزاب يهددونه لأنهم يريدون حصتهم من صفقة تهريب البشر لم افهم منه الكثير يا سيدي كان يتحدث بسرعة وخوف بينما تدلى جزء من شفته العليا مصطبغا بلون ازرق((لا بقاء لي في هذا البلد الملعون)) هو من قال هذا يا سيدي إي والله غسلت له الجرح وعقمته أعطيته مدخراتي ثمنا لحصته في المحل واستعار ملابسي بدل ملابسه الممزقة وذهب بوجهه إلى تركيا، هذا ما قاله هو بالحرف لا ادري بعدها ما الذي حدث. يقولون إنهم وجدوا جثته ممزقة في قرية في الشمال وفي جيبه جوازي وأوراقي الثبوتيه ،قالوا أيضا انه رئيس عصابة تهريب(اللوتي) ، يقبض الكثير من النقود ثم يترك اللاجئين بيد عصابات البحر التركية أو يوصلهم إلى لا مكان،هذه قصتي مصيبة سعد المسعود لا كول المكرود أي والله يا سيدي.
ارتد الحاضر بطرفة عين وكان سعد المكرود يقف أمامي أنيقا حليقا بتسريحة شعر لا تليق بعمره بغرة متدلية مغطية جرح خده الغائر، هببت للسلام عليه مزمعا أن اذكره بنفسي بعد أن أخذت منه النقود واشتريت له ما أراد من وقبل أن انبس انبرى هو بلهجته المميزة وبنبرة لا تشبه أبدا نبرته المتخاذلة التي اذكر :
ـ أهلا وسهلا بريحه الوطن اشلونك حبيبي،العراقيين نشامى وين ميروحون، اقدملك نفسي (عدنان أبو كذيله مهرب متقاعد ههههه أتشرف بيك) .
كان عدنان يمد يده في الفراغ بيننا،بينما صوت يصيح في راسي (الميدبرهه بعده هناك) يقاطعه صوت نعاوي امرأة مسكينة متشحة بالسواد تجلس وحيدة أمام قبر سعد المكرود وينصت سعد وبعض عصافير الأشجار بحزن ….

* اللوتي في معجم اللغة الغربية لات، يليت فهو لائت (لات فلان حقه أنقصه إياه) ويقال أن أصلها انكليزي من(loot) ومعناها النهب ويقال أن أصلها هندي وتعني الماكر في معجم اللغة الغربية لات،

المقال السابقإستيراد الطاقة الشمسية
المقال التالىزمن المؤتمرات والمؤامرات وتوقيتاتها
بان ضياء حبيب الخيالي.. قاصة وشاعرة عراقية من بغداد.. فازت بالجائزة الثالثة للقصة القصيرة في مهرجان النور عام 2008 .. وبالجائزة الأولى للقصة القصيرة لمسابقة د.فرج ياسين الأولى ..وبشهادة تقديرية من دار القصة العراقية.. لها مجموعة شعرية من منشورات دار الفراهيدي للنشر بعنوان (وانت تمضي) ومجموعة قصصية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد