اسطورة الأرض والشتات


 

في الشرق من كوكب الأرض، وفي بقعة نائية وبعيدة عن كل شيء. هناكَ تعيش قبائل من البشر يطلق عليها ” قبائل ” الثرثارين” يعيشون على تربية المواشي كالأغنام والأبقار وكان لتربية ” البعران” أهمية بالغة لما يملك من صفات كصبره على عطش الصحراء، ومزاج السماء حين تحرد عنهم فلا تهطل بالمطر. كانوا يحرّمون على أنفسهم تربية الخنازير وأكل لحمه. فمن معتقداتهم أنه أوسخ الحيوانات وأقذرها؛ إذ أنه لا يغار على عرضه وليس فيه نخوة ولا مروءة كمروءة ” البعير” ومن معتقداتهم ” الإنسان يصير على ما يدخل في بطنه ” ويسخرون من أقوام تأكل من لحم الخنزير.

لقبائل الثرثارين أماكن مقدّسة يعكفون على عبادتها والطواف حولها والتبرك بها، يدافعون عنها ويدفعون الغالي والنفيس لأجلها، ومحرم على القبائل الأخرى أن يقتربوا منها أو يلمسوها لكيلا لا تُدنس فتحل عليهم اللعنة والسخط.

كان لقبائل الثرثارون قوة جسدية اكتسبوها من جغرافية المكان، وبراعتهم في المبارزة والقتال. وكلما أجدبت الأرض وأغلقت السماء أبوابها وقل طعامهم. هموا إلى غزو القبائل المجاورة، يسلبون مواشيهم ويسبون نساءهم يتخذون منهن الجواري والخدم.

في الطرف المقابل لقبيلة الثرثارين هناك جماعات قليلة العدد والعدة، جاءوا من أماكن مختلفة يطلق عليهم اسم ” المتزلفون” ويُقال إنهم قوم حلت عليهم لعنة السماء فتشردوا في اصقاع الأرض، وبدأوا يجمعون أنفسهم في تلك الأرض والتي لم تكن من قبل هي أرضهم يشاركون أصحابها المكان، قوم بؤساء ومستضعفين واستعطفوا أسياد القبائل ليمنحوهم بقعة من الأرض يعيشون عليها ويسمحوا لهم بتربية الخنازير.

الثرثارين قوم رخيون كسالى، لا يسافرون ولا يبرحون الخيام، يمضون الوقت في مجالس السمر والشعر والمفاخرة بأجدادهم وقوتهم وسطوتهم في الغزوات. وظلوا على طبعهم الأول في غزو القبائل والسطو على المواشي، والتفاخر بالمبارزة، يعيشون على ما تلقيه لهم السماء وما تناله أيديهم من الغزو.

رويداً، رويداً بدأوا المتزلفون يتكاثرون ويتناسلون من كل حدب وصوب، يكثرون من السفر والتجوال حول كوكب الأرض، وصاروا يحملون تجارتهم إلى اقصى البقاع، ويقايضون بضائعهم ببضائع أخرى. وكلما عادوا من سفرهم، جاءوا بعلم جديد، وانتهوا من العيش في الخيام وتعلموا كيف يبنون البيوت الخشبية، وبنوا من الحجر الثقيل بيوتاً شاهقة تقاوم الطقس على اختلافه. وبنوا الأسواق الصغيرة وسادت التجارة ما بينهم وما بين القبائل الأخرى حتى أصبحوا من كبار التجار وسادة القبائل كلها. ولم يعودوا دخلاء بل أصبحوا هم أسياد المكان.

اشتدت قوة ” المتزلفون” بعد أن صنعوا الأسلحة الثقيلة، وحصنوا أرضهم ورفعوا لها الأسوار الشاهقة وفصلوا أرضهم بجدران عالية ومتينة، وبنوا لها القلاع الكبيرة؛ فأصبحت محصنة من أي غزو ومن قطاع الطرق ولصوص الماشية. فلم يعد الخوف يسكنهم من قبيلة الثرثارين. وقد وطدوا علاقاتهم مع رؤساء القبائل وتم الاعتراف بهم والتحالف معهم.

قبائل الثرثارين أمسوا ضعافاً ومتناحرين فيما بينهم، وتفرقوا وصار لكل مجموعة منهم رئيساً وقبيلة، ولم يعودوا كما كانوا في سالف عهدهم على قلب واحد، ولم يقدروا على الغزو والسطو القديم. حتى أماكنهم المقدسة لم يعد لها الهيبة، فلم يكن بمقدورهم حمايتها من الدنس.

ولما تأكد المتزلفون من انهيار الثرثارون وضعف قوتهم وتفكك وحدتهم، تغلغلوا في صفوف الثرثارين وزرعوا الفتنه فيما بينهم، وشبت الحروب والقتال ما بين قبائلهم، فسفكوا دماء بعضهم البعض، وأسياد المتزلفون يحتفون سراً بما آلت إليه أحوال الثرثارون. وقد أغروا اسياد بعض القبائل بالتحالف السري معهم وقطعوا لهم الوعود بأن يحموا عروشهم ويبقوهم أسياد قومهم، مقابل الولاء لعظمة المتزلفون والاعتراف بهم على أنهم هم أسياد المكان الأصليون، وأن يمحوا من ذاكرتهم القديمة على أنهم ” الدخلاء” وكانوا ما بين الحين والآخر يحتفلون بأعيادهم الخاصة ويدعون لها الموالين من الثرثارين، ويقدمون لهم شرابهم الذي امتازوا بصناعته ويطعمونهم أطباقاً من لحم الخنزير دون أن يعترضوا أو يمانعوا ولاة الثرثارون على الرغم من أنه محرّم لديهم. وتناسوا ما كانوا يقولون” الإنسان يصير على ما يدخل في بطنه ”

لم تعد لقبائل الثرثارين هيبة ولا احترام، بعد أن أصبحوا كالعبيد لدى المتزلفون ولم يعد بمقدور الولاة أن يرفعوا أصواتهم أو ينبسوا بكلمة اعتراض على ما يخطط وما يفعل المتزلفون. فدخلوا إلى الأماكن المقدسة لقبائل الثرثارون، واحتلوها ومنعوا الناس من التعبد والطواف حولها إلا حين يسمح لهم المتزلفون. واحتج المتعبدون والزهاد على ذلك واحتشدوا أمام قصور أسيادهم؛ لكن أسيادهم أغلقوا أبواب قصورهم وأمروا الحراس بصرف المتعبدين وتفريق شملهم. ولم يفعلوا أي شيء أو حتى أن يعترضوا عن تصرف المتزلفون إزاء الأماكن المقدسة، وابتلعوا ألسنتهم في حلقوهم ورضوا بالذل والمهانة.

وتقول الأسطورة بأن المتزلفون فيما بعد ما اكتفوا باحتلال الأماكن المقدسة بل احتلوا كل شبر من أراضي الثرثارون وهجّروا أهلها في اصقاع الأرض وقالوا لأسياد الثرثارين. ” تشردنا في الأرض وعشنا الشتات فذوقوا الشتات كما ذقنا وحدودنا من نهر السبات إلى نهر الفيل.

شارك
المقال السابقبنتين من مصر
المقال التالىمن سيقود العملية السياسية في العراق
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد