ما بين التحرير و التدمير خيط رفيع – ج2

 

ما بين التحرير و التدمير خيط رفيع / ٢
تحرير / تدمير الموصل

قف بنا يا صاحِ نبكي المُدُنا *** بعد من قد كان فيها سكنَا
و نُنادي في فراغٍ مُطلقٍ *** بعدهم في دارهم و حزَنَا

نعود مرة ثانية سيداتي سادتي، بعد حوالي العام من كتابة الجزء الأول لهذه المقالة و التي خصصناها لتحرير / تدمير مدن أخرى من العراق كتكريت و الرمادي و الفلوجة، لنتسائل ، هل ما نراه ، و ما يحصل اليوم، تحرير أم تدمير، و لنا نحن، و كثير من حولنا، الحق في أن نتساءل بل نستغرب و نتعجب، و لهؤلاء الآخرون أيضا الحق ليتساءلوا، هل ما رأيناه و نراه أمس واليوم و ربما غدا، في الموصل و حلب و تكريت و حمص و الفلوجة و الرمادي، و غيرها، هل هو تحرير فعلا، أم غير ذلك، لم يعد يهمنا ممن نحرر هذه المدن، سواء من داعش أو القاعدة أو أي شيطان أزرق أم أحمر، ما يهمنا أن نفهم هذه اللعبة التي طالت و تمادت و تمددت و إمتدت، و أصبحت مملة و مزعجة، خاصة في ظل مستوى سيول الدماء و أعداد الضحايا و حجم الخسائر المادية الذي يفوق كثيرا كثيرا أي تحرير آخر سمعنا به ..

نعم، سيداتي سادتي، إنه خيط رفيع كخيط العنكبوت ، الذي يفصل ما بين التحرير و التدمير، على الأقل عندنا في بلاد العرب و المسلمين، و على الأقل هذه الأيام التي نعيشها ..

عندما يقولون أنهم سيحررون الرقة أو حلب أو حمص، نفرح و نسعد، لكن عندما نشاهد طائراتهم ترمي البراميل المتفجرة و الصواريخ و القنابل على الناس العزل و المباني و البيوت بشكل عشوائي، نعرف و نتأكد أن ذلك تدمير و ليس تحرير ..

عندما نسمع أنهم ينوون تحرير البلاد من الإحتلال ” الداعشي ” كما يسمونه، نفرح و نسعد، لكننا عندما نشاهد أنهم يقصفون عشوائيا بطائرات لا ندري إن كانت سورية أو عراقية، أمريكية أم بريطانية، أيرانية أم روسية، و أن نتائج هذا القصف هو تقتيل و تشريد العباد و تدمير البلاد، لا غير، نعرف و نتأكد عندها أن ذلك تدمير و ليس تحرير ..

عندما يقولون أنهم سيحررون الموصل أو الرمادي أو ديالى أو تكريت أو الفلوجة، نفرح و نسعد، لكننا عندما نرى أنهم يقصفون هذه المدن بطائراتهم و مدافعهم و صواريخهم عشوائيا، نعرف و نتأكد أن ذلك تدمير و ليس تحرير ..

عندما يقولون أن عدد من يسمونهم ب ” داعش ” في الموصل كان في البداية مثلا بالمئات، و قد لا يتجاوز العدة الألاف، و أن هناك ما يقرب من المليون، و على الأغلب الآن أقل من هذا الرقم، من سكانها محاصرين داخلها، نتخيل أن إستئصال هذه المئات أو الآلاف القليلة سيتم بسهولة و أمان، لكن عندما نرى أن هناك جيوش مجيشة لمحاربة هذه المئات، و أنا غير متأكد إن كان ذلك لمحاربة داعش أم سكان المنطقة أنفسهم، نعم جيوش مجيشة، طائرات و صواريخ و مدافع و قناصة، ميليشيات و مشاة و عصابات، أمريكية و إيرانية و عراقية و لبنانية و غيرها، عندها نعرف و نتأكد أن ذلك تدمير و ليس تحرير ..

لم يعد يهمنا أن يهرع و يقفز البعض خوفا و قلقا و هلعا لمواجهتنا و مهاجمتنا إذا وصفنا ما يحصل تدميرا و يرموننا بتهم و أوصاف جاهزة معلبة نمت و ترعرعرت و تتواجد في خيالاتهم المريضة فقط، و هنا نحن لا نغبن أبدا حق الشهداء و الجرحى و الضحايا من الطرفين و ندعو لهم بالرحمة و المغفرة ..

هم يرونه تحريرا فقط، لأن نظرتهم عوراء منفردة منحرفة قاصرة ناتجة عن ضعف و جهل و مرض، و ربما تأتي بتوجيه أو أوامر من الغير في الداخل أو الخارج، نحن نراها بعينين منفتحين و عقول مستنير واعية، و نراها فعلا ، إنه تدمير لا غير، و هذا التدمير هنا يتناسق و ينسجم مع التدمير الذي حصل هنا و هناك، و الكل ينسجم و يحاك بنسيج واحد هو نسيج الخطط و الإستراتيجيات الخبيثة التي يخططها و يضعها الغرب و معه القوى الصهيونية و الفارسية، إنهم معا يعملون بتنسيق و تناغم غريب لتدمير هذه البلاد و تشريد وقتل العباد، و ما نأسفه و يـؤلمنا و يحز في نفوسنا أن يكون بعض من أبناء جلدتنا، شعوبا و قيادات، يعملون بجد و إخلاص لخدمة هؤلاء، و تنفيذ مخططاتهم و تحقيق نواياهم و أمنياتهم التي ربما تمتد لمئات عدة من السنوات ..

أحد التقارير التي وردتنا مثلا يشير إلى أن عدد الطلعات الجوية التي نفذها طيران التحالف الدولي قد بلغت حوالي ٢٠٠٠٠ طلعة جوية، كما تشير تقارير أخرى إلى أن عدد القنابل التي ألقتها الطائرات الأمريكية على مدينة الموصل الحدباء، تحت شعار، تحريرها من داعش، بلغ ٤٣٧٤ خلال شهر مايس ٢٠١٧، و ٤٨٤٨ قنبلة خلال شهر حزيران ٢٠١٧ و كلها كانت من زنة ٧٥٠ كغم أو طن واحد أو طن و نصف ..

السؤال الذي يطرح نفسه هنا، أولا هذه الصواريخ و القنابل هي ما وزعته طائرات الخير الأمريكية فقط، و لا ندري إن كان هناك حصة أخرى للطائرات العراقية أو الإريانية أو الروسية أو الإماراتية أو غيرها ..

طيب إذا كان للطيران الأمريكي هذه القدرة القتالية، لماذا لم يستخدمها قي بدايات تقدم داعش، و كان حينها لم يستقر و يتمركز و يتمكن بعد ..

و إذا فرضنا أن كل قنبلة واحدة رميت ستقتل داعشيا واحدا، فهذا معناه أنه تم قتل حوالي ٩٠٠٠ داعشي خلال هذين الشهرين، فقط من قبل الطيران الأمريكي، و إذا أفترضنا أن القصف كان بنفس هذه الوتيرة خلال فترة التسعة أشهر الماضية فقط و لا نقول السنوات الثلاثة الماضية، و هي عمر الإحتلال الداعشي، فأترك عليكم مهمة حساب عدد الدواعش القتلى إفتراضا، و إذا كان القتلى هكذا، كم كان عددهم إذن، علما أننا نتذكر جيدا أن الأعداد الذي تكلم عنها الإعلام في أوائل أيام ما يسمونه بإحتلال داعش كانت فقط مئات من هؤلاء ..

الآن ما هي الطاقة التفجيرية و الإمكانية القتالية لكل قنبلة من هذا الحجم، و كم من المساحات ستدمر عندما ترمى على مناطق سكنية مأهولة، هذا هو أهم سؤال لأن الجميع يعلمون أنه كان هناك حوالي مليون مواطن عراقي مصلاوي محاصر في الموصل و ربما أكثر، و أن المنطقة التي كانت مسرحا للعمليات القتالية كانت معظمها مناطق سكنية مأهولة، فعندما نرمي ٩٠٠٠ قنبلة على بيوت و مساكن و عمارات و مساجد و مستشفيات و غيرها، ماذا نتوقع، و كم من الدواعش سنقتل مقابل كم من السكان سيموتون، و بالطبع كوني غير عسكري سأترك الإجابة و التعليق للأخوة العسكريين و لكم ، إن كان هناك شئ في العقيدة العسكرية القتالية، و في التخطيط و التكتيك العسكري القتالي ما يسمح بإستخدام كل هذه القوة النارية الصاروخية المدمرة لتحرير أرض أو مناطق معينة، إن لم يكن الهدف هو التدمير، نعم التدمير لا غير ..؟؟!!

تقارير أخرى نشرت، عن تقديرات الخسائر و حجم التدمير في الموصل خلال فترة حرب التحرير إن صح التعبير، و التي تقدر ب ٢٦٧ يوما، قدرت أن عدد المساكن المدمرة جزئيا أو كليا في الموصل القديمة لوحدها بلغ أكثر من ٥٠٠٠ مسكن ، و هناك حوالي ٣٨ من أصل ٥٤ حيا في غرب الموصل قد تعرضت للدمار ..

التقارير تتحدث عن حوالي ١٦٠٠٠ قتيل من المدنيين و أكثر من ضعف هذا العدد من الجرحى، أكثر من نصفهم من النساء و الأطفال، و أنا شخصيا أرى أن هذه التقديرات متفائلة جدا، و أن العدد الحقيقي لا يمكن تقديره الآن لكون لا زالت جثث العشرات أو المئات من الضحايا تحت الأنقاض، و ربما يتضاعف العدد مرات عدة ..

هذه التقارير تشير إلى أن خسائر القوات العراقية التي شاركت في العمليات ، و التي تقدر بأكثر من ١٠٠٠٠٠ شخص، بلغت الخسائر حوالي ١٨٠٠٠ قتيل و أكثر من هذا العدد قليلا من الجرحى، في مقابل ما يقارب من ٥٠٠٠ قتيل ممن يسمونهم بداعش، و أنا أسميهم بالأشباح الذين لا لون و لا طعم و لا رائحة لهم، و لم نر منهم أي أسير أو قتيل أو جريح إلا نادرا .. و هنا لابد من التوقف قليلا عند هذه الأرقام، بإفتراض صحتها، و دراسة مستوى كفاءة و نجاح العمليات العسكرية التي إمتدت لحوالي التسعة أشهر، و شاركت بها عدة دول، و أستخدمت فيها كل أنواع الأسلحة، و حسب ما قيل أن إجمالي أعداد ما يسمونهم بداعش لم يكن يتجاوز ال ٦٠٠٠ شخص في أحسن الأحوال، و أن معظمهم قد قتل، في حين تشير تقارير أخرى إلى كون عددهم الكلي قد يصل إلى ثلاثين أو أربعين ألف، و لا أحد يعرف الحقيقة الآن، و لن يعرفها أحد لاحقا، فسيبقى ذلك في علم الغيب، و في سجلات و ملفات أجهزة المخابرات الغربية و الإسرائيلية و الإيرانية التي أخرجت و تخرجت داعش منها لتنفذ هذا المخطط الخبيث ..

و هناك عدد من التقارير تشير إلى أن عدد المهجرين و المشردين من مساكنهم و مناطقهم في أنحاء الموصل المختلفة يقرب من المليون من أصل عدد سكانها الأساسي البالغ أكثر من ثلاثة ملايين إلى أربعة ملايين نسمة ذلك قبل الأزمة طبعا، و عدد النازحين و المهجرين الذين لا يعرف مصيرهم لحد الآن أو لم يعودوا يقرب من ثلثي هذا المليون ..

أما العدد الكلي للمهاجرين و المهجرين و المشردين و النازحين في كل الإتجاهات فتقدره بعض التقارير بأكثر من ثلاثة ملايين شخص، و هم معظم سكان و أهل أم الربيعين، علما أن البعض قد هجر أو هاجر أو نزح إلى مناطق و محافظات قريبة مثل أربيل و دهوك و زاخو، و البعض إلى مناطق أبعد وصولا لبغداد و ربما بعض المناطق الجنوبية، و البعض ترك العراق إن كان قادرا على ذلك ..

تقدر قيمة الخسائر المادية بحوالي ٤١ مليار دولار، و أعتقد أن هذه التقديرات متحفظة جدا و ربما يبلغ الرقم الحقيقي أضعاف هذا المبلغ، علما أن هناك حجم كبير من الدمار لحق بمباني تاريخية و حكومية ذات قيمة خاصة لا تقدر بثمن، أما عن كلف إعادة الإعمار و الوقت اللازم فحدث و لا حرج، البعض يقدر المبلغ بمئة مليار دولار أو يزيد ..

بعض التقارير أشارت، و برأيي الشخصي أن ذلك لا زال تقديرات أولية و ليست نهائية و لا دقيقة و لا مكتملة، إلى تضرر حوالي ٥٠٪ من شبكة الطرق الداخلية و الخارجية، تدمير ٩ من أصل ١٠ مستشفيات في المدينة، تدمير ٧٦ مركزا صحيا من أصل ٩٨ مركزا في المدينة، تدمير ٥ جسور على نهر دجلة ، تدمير جامعة الموصل و ٣٠٨ مدرسة، تدمير حوالي ١٠٧٠٠ منزل و مبنى و عمارة سكنية، تدمير ٤ محطات للكهرباء و ٦ محطات للمياه و عدد كبير من أبراج الإتصالات، تدمير ٦٣ دارا للعبادا بين مسجد و كنيسة، تدمير ٢١٢ معملا و ورشة حكومية و خاصة، تدمير ٢١٢ مصفاة للنفط، تدمير ٩ مصارف، تدمير ٢٩ فندقا، تدمير ٦ ملاعب كرة قدم، تدمير عدد من المدن و المواقع التاريخية الأثرية منها النمرود و الحضر و منارة الحدباء ..

و الواقع أرى أن التقدير هنا لا داعي له لأنه لن يكون هناك أي إعمار مخطط و مبرمج و ممنهج للموصل لتعود كما كانت سابقا، و هذا قياسا بحالات المدن التي دمرت سابقا في العراق مثل تكريت و الرمادي و الفلوجة و ديالى، كذلك لدينا مدن أخرى في البلاد العربية دمرت بشكل شبه كامل كحلب و حمص و صنعاء و غيرها، و لا زالت مشاريع إعمارها فقط حبرا على ورق لا غير، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، لكن هذه التقديرات و الأرقام قد تكون مفيدة في يوم ما لو شاءت الأقدار أن تتم محاكمة و محاسبة من كان مسؤولا عن هذه المآسي سواء على المستوى الدولي أو العربي أو العراقي ..

و ربما ننتظر لنر أن كان المخطط الذي يدور في المنطقة ربما يتضمن إخلاء هذه المناطق من سكانها الأصليين و تدميرها، لتبنى من جديد لاحقا بيد سكانها الجدد بمواصفات أخرى غير الحالية، و هذا ما بتنا نسمعه أخيرا و نكاد نصدقه لأن كل المؤشرات و حجم الدمار و تقصد مدن معينة دون غيرها، يشير بوضوح إلى مخططات لتغييرات ديموغرافية تجري في المنطقة لا ندري بالتحديد إن كانت إسرائيل أم إيران هي المستفيد الأول، لكنها تتم بموافقة و علم و ربما تمويل عدد من دول المنطقة، و بعلم و إشراف و متابعة أمريكية غربية ..

لقد وصف الكاتب المصري المعروف أحمد منصور معركة الموصل و حالها وصفا جميلا مؤلما حزينا بقوله :

“ اكتملت مسرحية إبادة و محو مدينة الموصل من الوجود، تلك المسرحية التي بدأت باحتلال تنظيم داعش لها في يونيو عام 2014 ، وانتهت بإعلان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يوم الاثنين الماضي عن تحرير المدينة من التنظيم، و لكن أي تحرير و أي نصر و أي موصل .. ؟ .. لقد اتضحت فصول المؤامرة بالكامل، لم تعد هناك مدينة اسمها الموصل، فقد أبيدت المدينة و لم يعد بها بناء قائم على أصوله يمكن أن يقال إنه في الموصل حتى المساجد لم يعد لها وجود، كما أن السكان جميعا قد رحلوا أو قضوا تحت الأنقاض و لم يعد هناك سكان يمكن أن يطلق عليهم سكان الموصل فقد شردوا جميعا أو هجروا، و لم تعد الموصل هي عاصمة أهل السنة في العراق و هي المكان الآمن لمن هربوا من ويلات الحرب في الفلوجة والرمادي طوال السنوات الماضية ” ..

و يضيف قائلا : “ الأمر لا يصدق هؤلاء سلموا المدينة حتى يكون هناك مبرر لتدميرها وتهجير أهلها كما حدث الآن و تصفية قضية السنة في العراق بحيث لا يكون لهم مكان يمكن أن يكون عاصمة لهم، فقبل الموصل دمرت الرمادي و دمرت الفلوجة و هجر أهل المدينتين و من حولها من المدن الصغرى كما هجر السنة من ديالي و من كل مكان كانوا فيه أقلية و شردوا في كل مكان، و حينما ذهبوا لكركوك طردوا من كركوك، إنها جريمة كبرى لكن ما حدث فيها من جرائم حرب و جرائم ضد الإنسانية له قصة أخرى ” ..

نعم سيداتي سادتي، نحن جميعا كنا نريده فعلا أن يكون تحريرا، لكننا نرفض و بشدة أن يكون تدميرا، و هو ما كان فعلا مع الأسف الشديد ..

المقال السابقيكبرون قبل الأوان
المقال التالىلا يكفي أن تصمت
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد