الوطن المواطن السلطة – ج6

 

تزامن ظهور أزمة المثقف وعلاقته بالسلطة السياسية في البلاد العربية مع ظهور أزمة أ أكثر خطورة وأعمق أثراً في مستقبل البلاد العربية، هي أزمة الهُوّية التي تتشابك بعدة قضايا إشكالية ما تزال الدول العربية تعاني منها إلى اليوم، وفي طليعتها “تحديد طبيعة الأنظمة السياسية التي أسفر عنها زوال السلطنة والاستعمار، ومكانة اللغة والدين وقدراتهما على تعبئة الفرد، ووضع التراث والعلاقة التي تربط بين اللغة والتراث وهذه الأنظمة، والعلاقة بين الهُوّية المحلية القطرية، والهُوّية العربية الإسلامية.

وهذه الأزمات إنما هي نتيجة لمحاولة الأنظمة السياسية في البلاد العربية، بعد سقوط الخلافة العثمانية وجلاء الاستعمار خلق مرجعيات جديدة لوجودها السياسي، ورغبتها في البحث عن شرعية لوجودها هذا من خلال تلك المرجعيات.

كما أن معظم الأنظمة العربية التي ظهرت بعد الاستقلال أقدمت، إثر اصطدامها بمعارضة الأمة، على تغيير النظام الكوني من خلال فرض الأنظمة العلمانية المستمدة من الثقافة الغربية وأنظمتها السياسية والاقتصادية و العمل على تهميش ذلك النظام القائم والإساءة إلى ممثليه وتشويه تفسير العلاقة بينه وبين النظام الإنساني في المجتمع العربي، ومن ثم عزلهم عن الأمة التي كانت ترى فيهم مرجعاً لها، بصفتهم يشكلون صلة الوصل بين النظام الكوني في الأمة والنظام الإنساني فيها. وبذلك كانت تلك الأنظمة تخلق شرخاً عميقاً وانفصاماً كبيراً في ذات الأمة وكانت النتيجة جمود وتخلف الشعوب العربية.

و بداية المشكلة بدأت مع اتصال العرب بالثقافة الغربية في بداية القرن التاسع عشر. وقد صوبوا اهتمامهم إلى أنظمة الحكم والمفاهيم السياسية السائدة في أوروبا آنذاك، رغبة في تقليدها ونقلها إلى المجتمع العربي، مع التأكيد بأن هذا التقليد هو وحدَه الكفيل بتقدم المجتمع العربي.

وسادت في هذه الفترة مرجعيات أخرى لا علاقة لها بالنظام الكوني السائد في المجتمع العربي، وإنما تم التركيز على الفكر السياسي الغربي، وظهرت مقاييس جديدة في الحكم على الأمور صيغت تحت اسم الحرية والتقدم والمدنية والعالم الحديث. فجاءت كتابات أمثال أحمد لطفي السيد، الذي تجاهل فكرة المجتمع الإسلامي، وأصبح الهجوم على النظام الكوني أمراً مسوغاً واعترف بأن لا علاقة له بقضايا العالم الحديث. وأيضا كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق الذي يزعم بأن لا وجود لما يسمونه بالمبادئ السياسية الإسلامية.

لقد استطاع الغرب ، منذ القرن التاسع عشر، أن يزرع بذور التقسيم بين النظامين الكوني والإنساني في المجتمع العربي. وبذلك ساد الصراع بين ثلاثة تيارات متناحرة الأول ديني يمثل النظام الكوني في المجتمع العربي (ديني وليس الإسلام السياسي)، والثاني غربي- علماني يدافع عن الثقافة الأوروبية، ويدعو إلى تبنيها، والعمل على نشرها أما التيار الثالث فهو التيار الإصلاحي وهو التيار الذي عمل على الجمع والملائمة بين التيارين، وقد استمر وجود هذه التيارات تحت ظل الاحتلال مع دعم واضح من المستعمر للتيار الثاني من أجل قيادة المجتمع بعد دلك.

بدأ مفهوم الدولة الحديثة بالظهور أثناء الاستعمار الذي دعم هذا المفهوم وعمل على توطيده، وهو ما جعله يترسخ بعد الإستقلال بظهور مفهوم الدولة القطرية / أو الدولة السيادة، ذات العلم والنشيد الوطني والحدود. وهو ما شكل واقعاً سياسياً و ثقافياً مشوها و يتعارض مع الدعوة التي كانت تنتشر في كل أنحاء العالم الإسلامي، والتي كانت تدعو إلى الوحدة السياسية والثقافية، وإقامة وطن واحد بحسب النظرية القومية. إلا أن المستعمر أجهض كل الأحلام ونجح في فرض التجزئة والتفرقة.

1 تعليقك

  1. Avatar نورالدين مدني

    اتفق معك اخي عبدالله العبادي في ان نظام الدولة القطرية الحديثة ظهر ابان الاستعمار لكن للاسف الحكام الرؤساء هم الذين فشلوا في الحفاظ على قواعد الدواة الحديثة واعطوا فرصة للقوى الاستعمارية للعودة من جديد للتدخل في شؤون بلادهم الداخلية

اترك رد