وطن و خمس بيبان

 

عرضت منذ منتصف الثمينات من القرن الماضي مجموعة من الأعمال المسرحية الكوميدية هدفت حينها ربما للتخفيف من الضغط النفسي الناتج عن استمرار الحرب الإيرانية ضد العراق لكن ذلك مهد فيما بعد لظهور المسرح التجاري في مرحلة الحصار الإقتصادي على أنقاض حركة فنية و ثقافية عرف بها العراق عبر الأجيال و بقيت متماسكة نوعاً ما حتى مع هذه التداعيات حتى الإحتلال حيث انهارت شاقولياً لحد تحول دور السينما و المسارح العراقية وما سلم من المكتبات العامة العامرة بالكتب و العامرة بالرواد من مختلف الأعمار الى مخازن للبضائع التجارية . لا يوجد في بغداد الآن ( عاصمة الثقافة العربية 2013 !! ) دار سينما واحد ولا أحد يمكنه ان يجادل في دور النظام و المؤسسات المحيطة به بما فيها الدينية في افساد نظرة الناس تجاه الفن خاصة و الثقافة عامة لدرجة أن سائق سيارة أجرة أرشدني للمكان الذي قصدته بقوله ( هناك تكرم قرب السينما ) و تكرم كلمة يسوقها العراقيون عند اضطرارهم لذكر شيء قبيح كالمرافق الصحية مثلاً

الطبقة المثقفة التي كانت ما تزال تمثل مؤشراً لنبض الحياة العامة حتى الإحتلال أثار حفيظتها هذا الإتجاه للفن العراقي لما يمثله من إسفاف لا تتقبله الذائقة العامة و لا ذاكرة الناس التي تحمل صورا جميلة عن اعمال الفرقة القومية للتمثيل و الفرقة القومية للفنون الشعبية و مسرحيات فرقة المسرح الفني الحديث و بعض الأفلام السينمائية الراقية ، الكوميدية و التاريخية وغيرها ، بل و حتى أعمال طلبة معهد و اكاديمية الفنون الجميلة التي قدمت عروضاً رائعة لمسرحيات عالمية .. لكن لو عادت المسارح و دور العرض الى أيام المسرح التجاري لرضينا بها كأهون الشرين ، أن يكون لنا مسرح بمقومات بدائية ، فكرية و فنية ، قد تفضي إلى تبلور حركة فنية تنتقل اليها جينات الرواد الكبار بطفرة وراثية ذات يوم خير من ان نمر على أبواب مسرح بغداد و سينما غرناطة المغلقة بقلوب يملأها الاسى .

مسرحية كوميدية عراقية إسمها ” بيت و خمس بيبان ” عرضت منتصف الثمانينات لاقت شعبية كبيرة و رغم تواضع الفكرة التي تطرحها لكنها تجعلك اذا اعدت مشاهدتها الآن و انت تعيش أيام الإنفجارات الهائلة تحن لأيام الحصار و أيام الحرب أيضاً بكل مآسيها ، أن يكون للبيت خمسة أبواب قد يوحي بكثرة ضيوفه و وفرة استكانات الشاي و صحون الكليجة** العراقية التي تطوف عليهم كسمة من سمات الكرم و حب الضيف الأصيلة فينا ، يحب العراقيون ان يدخل عليهم الضيوف من خمسة ابواب لا من باب واحد لا يفرقون بين أزيائهم و لا بين لهجاتهم ، يكرمون الضيف الغريب دون توجيه السؤال الكريه ( من أي أعمام ) الذي شاع بعد الإحتلال أو يتلصصون عليه وهو قائم يصلي لمعرفة اين يضع يديه عند الصلاة ، كان بيتاً جميلاً محاطاً بجيران رائعين لا يمكنك أن تتخيل أن يخرج منهم ذات يوم مخبر سري يهدم عِشرة عمر توارثها الأحفاد عن الأجداد ، لم نكن نعرف جيراننا من أي عمام مثلما لم نكن نعرف من يجلس على الكرسي المجاور في دار السينما

كنا نذهب الى المسرح او الى السينما و نترك سياراتنا على الرصيف المقابل و نخرج لنجدها في مكانها ، كانت بيوتنا جميلة بباب واحد أو بخمسة أبواب مشرعة ليلاً و نهاراً و كنا فرحين بضيوفنا عندما كانت ابواب الوطن الخمسة محروسة لا يدخلها إلا من يستحق شرف الدخول ويعرف قيمة الأرض التي تشرف بها . عندما أصبحت أبواب و جدران الوطن كما وصفها المونولوجست الراحل عزيز علي مهدمة يسهل على اللصوص امتطاؤها لم يبق لنا إلا ان نغلق أبوابنا قبل غروب الشمس .

إنهيار واقع ثقافي كبير بحجم الواقع الثقافي العراقي كان انهياراً لعمود الخيمةً ، إنهيار الأمن و تساقط الحواضر واحدة تلو اخرى وكل الإنهيارات اللاحقة كانت تداعيات و أصداء له

———————-
*بيبان : أبواب باللهجة العراقية
**كليجة : كعك العيد العراقي المحشو بالتمر

المقال السابقالحرية والعبودية
المقال التالىإستيراد الطاقة الشمسية
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد