هل اخطأت السعودية في إدارة الأزمة الخليجية ؟!


 

How Saudi Arabia Botched Its Campaign Against Qatar
The Costs of the Pressure on Doha
By : Bassima Alghussein and Jeffrey A. Stacey
Foreign Affairs – July 12 , 2017

* ملاحظة تمهيدية : ارجو ابتداءاً الا يفهم اي مما أقوله على انه انحياز لطرف دون اخر في الأزمة الخليجية الحالية ، كيانات الخليج العربي قُدّت من ذات الحجارة ، وان اختلفت أحجامها ، وهي جميعها أنظمة فاتها التاريخ وقد فوتت بحكم بنيتها الأبوية البدائية آية أمكانية للحاق بركبه ؛ اذا ما بدا بعضها اليوم اكثر استقراراً فيعود ذلك آلى وفرة الثروة الريعية التي تنتج عوامل عدم الاستقرار على المدى البعيد ، وبالتالي فليس فيها اي نظام يستحق الانحياز له ، ويبقى التزامنا كافراد متعلقً بعروبة الإقليم مع ألامل في ان يجد شباب ألمنطقة سبيلهم لامتلاك زمام أمره وفق صيغ تحفظ له مستقبله المُستحق واستقراره بما تؤهله له ثرواته وموقعه الفريد وسط قارات العالم .

ما أقدمه من مقالة او من ملاحظات تمهيدية هي في جملتها ملاحظات موضوعية لاتحمل اي نوع من التعاطف مع هذا الطرف او ذاك ، وأغلبها يطرح الان بقوة من قبل المعلقين والمحللين ومراكز البحث الكبرى .

السؤال المُحيّر هو : لماذا بدات هذه الأزمة اصلاً ، وماهي نتائجها وتداعياتها القريبة والبعيدة على حد سواء ؟! .

يبدو لي ، وكما يبدو للكثير من المراقبين ايضاً ، ان هنالك سوء ادارةٍ وسوء تقدير للموقف طبعت الطريقة التي بدات فيها السعودية وبقية مجموعة الاربعة في الجبهة المواجهة لقطر اثارة الأزمة ثم ادارته ؛ على سبيل تفسير البعض مما يبدو خارجاً عن المنطق والذي تضمنته المطالَب الثلاثة عشر ، يعتقد بعض المراقبين بوجود سيناريو تم اعداده ثم جرى تجميد بعض مشاهده في اللحظات الاخيرة ؛ يعتقد هذا البعض ان الخطة الأصلية تضمنت اما اجتياحاً او انقلاباً عسكرياً في قطر يعقب مباشرة نفاذ مدة الانذار التي اعلنت المطالَب بموجبها ، هذا المشهد ، المحذوف افتراضاً ، والهادف لتغيير النظام في الدوحة كان سياتي متوافقاً مع صيغة المطالَب الثلاثة عشر وهي تمثل في واقع الحال وثيقة استسلام غير مشروط .

اذا استبعدنا المشهد الافتراضي بتغيير النظام القطري ، يكون من الواضح انه تمت قراءة مواقف ترامپ وتغريداته خطأً على انها الموقف النهائي للولايات المتحدة من القضايا موضوع الأزمة من قبل دول التحالف الرباعي الذي تتصدره السعودية ، كما يبدو واضحاً ان قصوراً قد ظهر منذ البداية في قراءة المواقف الدولية وخاصة الاوروپية والتوقعات بشأنها ، كذلك لم تتم قراءة المواقف المُحتملة لدول الإقليم الفاعلة وخاصة ايران وتركيا ومدى استعدادهما للانغماس في الأزمة وحدود هذا الانغماس ، ثم يأتي الأكثر من كل ذلك وهو عدم اجراء تقدير سليم للخسائر والمكاسب جراء تداعيات الأزمة مع قطر قياساً على الاهداف الستراتيجية العامة والمتعلقة اصلاً بطبيعة المخاطر التي تتعرض لها المنطقة في استقرارها وحتى وجودها .

ينبغي الاتفاق بشكل مسبق على ان الموضوعات المثارة والتي اخذت في البدء شكل إنذار أمده عشرة ايام لاتبدو المحرك الحقيقي للازمة ؛ لقد وضعت حالياً كما يبدو في الظل ، بعد ان تحولت الى اعلان المبادئ الستة الصادر عن اجتماع وزراء الخارجية في القاهرة أثر الاتصال الهاتفي الذي أجراه ترامب مع الرئيس المصري من على متن طائرته ساعة اجتماع وزراء الخارجية ، الامر الذي شكل تحولاً جذرياً في مجرى الأزمة ، وظهر ذلك في الارتباك الناجم عن فراغ جعبة الوزراء خلال مؤتمرهم الصحفي وقد كانوا قد التقوا لإعلان امر ما جراء رفض قطر لإعلانهم الإنذاري الاول ، مما يعزز فرضية دفع الأمور الى الذروة تصعيداً على سبيل التمهيد لتغيير النظام الذي عطلته المكالمة الهاتفية المذكورة .

بدا الامر برمته بعد الاجتماع وتسلسل الاحداث فيه غير متوافق مع اي منطق ولا مع لهجة التصعيد الإعلامي النارية التي سبقت الاجتماع لذلك صدر بعد ساعات وفي ساعة متاخرة من ذات اليوم بيان ثالث اكثر شدة من ناحية الصياغة دون تغيير جوهري في المضمون . لقد دفعهم ترامپ ، وفق محللين امريكان ، الى موقف عالي السقف ثم انسحب منه مضطراً تحت ضغط الخارجية والبنتاغون والكونغرس ، خاصة بعد اتضاح ان الاموال السعودية الموعودة لم تكن أرقاماً فعلية بل كانت ، باستثناء حوالي ٥٠ مليار دولار ، اتفاقات مبدئية لم تاخذ حتى شكل صفقات بدليل انه لم يتم عرض اي منها على لجان الكونغرس المتخصصة حتى الان ، وكان يدور بشان ذلك جدل حاد في اروقة الادارة والكونغرس .

السؤال الذي يبدو انه جوهر الموقف حالياً هو كيف يمكن تأمين تراجع غير مهين عن الموقف المتصلب الذي ظهرت عليه مواقف محور السعودية اضافة الى كيفية إصلاح الأضرار التي نجمت ، وليس اخرها تعديل نهائي في خارطة العلاقات الستراتيجية والتجارية الخارجية لقطر وتدارك الأضرار المعنوية التي خلفتها روح العداء غير المسبوق الذي ساد الموقف وطالت اثاره الشرائح الشعبية في هذه الدول مع مايعنيه ذلك من مرارات ليس من السهل نسيانها ، الامر الذي يرجح معه المراقبون استمرار الأزمة لوقت طويل وربما تتحول الى أزمة مزمنة ، ولعلها ستكون الشكل النمطي لصيغة العلاقات الخليجية في المستقبل .. محوران يحيلان مجلس التعاون الى هيكل بلا مضمون فاعل ، ومفتوح على مصراعيه للتأثيرات الاقليمية والدولية بعد ان اصبحت مصر وايران وتركيا أطراف في قلب خلافاته الداخلية ،

من جانب اخر فانها ستكون فاتحة وضع جيوستراتيجي جديد في المنطقة ليس في صالح الجبهة السعودية بل سيضعها في موقف اكثر صعوبة وتعقيداً وربما يدفع الى تحرك في داخل البيت السعودي المالك لاصلاح الموقف على غرار ماجرى عندما تحرك المصلحون من داخل الاسرة لعزل الملك سعود بن عبدالعزيز عام ١٩٦٤ بعد سلسلة من النكسات تمثلت اخرها حينه في فشل ترتيب انقلاب ضد عبالناصر .

يعتقد كثير من المراقبين ان السعودية تسير منذ عام ٢٠١٥ في سياسة تتسم بقدر كبير من ” المبادرة الهجومية ” التي تفرضها تحديات حقيقية على الإقليم تتمثل في التمدد الطائفي الايراني وأدواته في بث الفوضى الاجتماعية والسياسة ؛ هذه سياسة مطلوبة في ظروف الشعور بالتهديد ، لكنها تصبح مصدر خطر لاستنزاف القدرات وترتيب نتائج جانبية غير مرغوبة اذا ماتم استخدامها في غير مكانها وتوقيتها المناسبين . تواجه السعودية خطراً ايرانياً جدياً وحقيقياً ، ولكنها تواجه ايضاً الكثير من التحديات في الجبهة الداخلية المرتبطة بذلك وكان يتعين البدء بها والتركيز عليها وتجنب الانغماس في المناورات الاقليمية التي تبدو أدوات تأجيجها واطفائها بيد الأقطاب الدولية الكبرى وتستخدم فيها قوى الإقليم حطباً ووقوداً ، ويضربون المثل على ذلك بسوريا واليمن وهما ساحتان استنفذتا الكثير من قدرات السعودية الصلبة والناعمة دون حل قريب في الأفق بسبب القراءة الخاطئة لخارطة الاصطفاف الدولي ، الامر الذي ينتج عكس المطلوب ، وفي تقديري المتواضع ووفق رؤية الكثير من متابعي الموقف فان الأزمة الخليجية الحالية تقع في هذه الدائرة . قلق مشروع لكنه يعالج بسياسات وخيارات خاطئة سببها قلة الخبرة من جهة والثقة التي وضعت في رئيس امريكي يقول في الصباح مايقول عكسه في المساء وعبر قنوات محيرة مثل التغريد عبر تويتر حيث يضيع الرسمي المؤسسي بالشخصي والنزوي .

سنرى في تفاصيل هذا المقال كيف ان طريقة ادارة الأزمة قد قادت الى نتائج كارثية ومنها ماسيتم تكريسه كواقع نهائي . من غير المتوقع مثلاً ان تعود خارطة العلاقات التجارية والاٌمن الغذائي الى سابق عهدها ، ومن غير الممكن ابعاد اي موطن خليجي في قطر او عمان او الكويت او حتى الإمارات عن النظر الى السعودية باعتبارها تهديداً ، ولن يستطيع احد منع دول الخليج المذكورة من البحث عن تحالفات تقيها مااصبح معروفاً الان بانه نزوات وقلة خبرة أمير شاب في اوائل الثلاثينيات من عمره من المقدر له ان يتولى قيادة مجلس التعاون الخليجي ، هذا توصيف قال به رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي . هذه متغيرات حتمية ذات بعد جيوستراتيجي كانت تتطلب معجزة كي تتمكن ايران من تحقيقها بجهودها ، لكنها تتلقاها هدية مجانية جراء التهور وقلة الخبرة وربما التحريض من طرف ترامپ ، الرئيس الذي يشكو كبار خبراء بلاده من نزواته ونزقه وهو يتعرض اليوم لحملة من التحقيقات وصلت بالبعض حد التوقع بان الرجل لن يتم سنة في منصبه ،

تستفيد ايران من الأزمة لانها اصبحت بفضلها في قلب مشكلات الخليج البينية وتزيد بذلك من فرص اسرائيل للولوج الى المنطقة من خلال بوابة القلق من تنامي نفوذ ايران . هذه منطقة معقدة ومن الصعب الاستمرار على معالجة ازماتها من خلال العقلية العشائرية .

نعرف كيف بدات الأزمة الحالية وذلك على اثر تسريب تصريحات لأمير قطر تم بثها بعد يوم من انفضاض مؤتمر الرياض الاسلامي – الامريكي تناولت العلاقات مع ايران والموقف من حماس والاخوان المسلمين ثم وجهات نظر سلبية تجاه السعودية والبحرين والإمارات ؛ رغم التكذيب القطري وإعلان ان التصريحات المنسوبة الى الامير تميم هي نتاج قرصنة لموقع وكالة الأنباء القطرية ؛ جاء رد الفعل سريعاً حيث اعلنت ثلاث دول خليجية سحب سفرائها من الدوحة وفرض مقاطعة شاملة على قطر تقرب عملياً من حصار شامل باعتبار ان السعودية تمثل الممر البري الوحيد لقطر والذي يؤمن اكثر من ثلث احتياجاتها الغذائية . ثم تدرج الموقف وبدات الوساطات واهمها الكويتية التي لبست الان ثوباً امريكياً مؤسسياً بعد قيام تيلرسون وزير الخارجية الامريكي بجولته الاخيرة في إطار مكمل للوساطة الكويتية .

لست بصدد استعراض تاريخ المشكلة ومراحلها ولكن اود مناقشة تداعياتها ، وهل تستقيم في حسابات السياسة وحسابات الربح والخسارة ، خاصة اذا ماعلمنا ان اغلب ما يتم الترويج له من طلبات يتعين على قطر تلبيتها يفتقر أحياناً الى المنطق او ينطبق عليه المثل الشائع ” من كان بيته من زجاج …. ” ، ورافقت ذلك حملة سياسية ودعائية وصل الامر ببعضها استحقاق الوصف بعدم النضج والبذاءة مثل اتهام قناة الجزيرة الإخبارية بمعاداة السامية ، غير انه من المفهوم على نطاق واسع بين المتابعين ان محاور الخلاف بين قطر من جهة والسعودية وتحالفها الرباعي الحالي تتركز في ملفات أساسية هي : الموقف من الاسلام السياسي وحركة الاخوان المسلمين وتفرعاتها ، وشبكة الجزيرة الإعلامية وأتاحة المجال لظهور معارضين للنظام السياسي الخليجي ، والموقف من ايران .

الأساس ينطلق من طبيعة الرؤية القطرية للوضع الاقليمي ، وقد لمست تفاصيل هذه الرؤية من خلال خبرات وتواصل شخصي مع دبلوماسيين قطريين ؛ تعتقد قطر ان المنطقة تتكون من مجموعة دول كبيرة ذات طموحات بتوسيع نفوذها مثل السعودية وايران ومصر وتركيا واسرائيل والعراق على عهد الرئيس صدام حسين ، واُخرى صغيرة بعضها غني مثل قطر والكويت والإمارات واُخرى كبيرة ولكنها تفتقر للإمكانيات والموارد الاستثنائية مثل سوريا والأردن . هذه المجموعة الثانية من دول المنطقة عرضة لتدخل دول المجموعة الاولى الكبيرة والغنية وان فرص بقائها بعيدة عن تأثيرها هو في المحافظة على نظام للتوازن الاقليمي الذي تلغي بموجبه قوة كل طرف قوة الاطراف الاخرى ، وهكذا ترغب قطرفي ان تمضي لعبة الامم في الإقليم . وفقاٍ لذلك تعارض قطر طغيان اي دولة بمفردها في المنطقة . أضاف الربيع العربي بعداً جديداً وهو دخول القوى الاسلامية كعامل سياسي قوي في الإقليم ، ويعتقد القطريون ان هذا التيار قابل للتطويع والاحتواء كحليف او شريك في النظام الاقليمي او في الحياة السياسية الداخلية . هذه الرؤية تفترق عن العقيدة السياسية لدول اخرى في المنطقة مثل السعودية والإمارات التي تسعى لاستخدم مواردها لابعاد ما تتصوره خطراً على الوضع القائم فيها وفي ذلك يستوي لديها الاسلام السياسي مع تيارات الديمقراطية والليبرالية الغربية .

لايبدو في الأفق ان قطر مستعدة للاستجابة لأغلب الطلبات التي وردت في الاعلان الاول خصوصاً بعد توصلها لاتفاق ثنائي مع الولايات المتحدة بصدد مكافحة تمويل الاٍرهاب . اما بشأن الموضوعات الاخرى فليس فيها ماهو موضع توافق دولي او إقليمي او خليجي مما يتيح لقطر مجالاً واسعاً للمناورة بشأنه ، اما المبادئ الواردة في بيان القاهرة فهي اقرب الى المبادئ العامة منها الى طلبات موجهة لطرف محدد ، وبالتالي فلابد من اللقاء والحوار وإنشاء اليات محددة تشمل الجميع في وقت يبدو فيه موقف المجموعة السعودية رافضاً من حيث المبداً لاي لقاء او حوار قبل اعلان الاذعان من جانب قطر ، الامر الذي يطرح تساؤلاً مهماً عما اذا كانت القضية هي بالفعل قضية تطرف إسلامي ( شيعي وسني ) ، ام صراع نفوذ في إطار مجلس التعاون الخليجي وتمت الاستعانة بمصر لإعطائه بعداً يتعلق بقضية محاربة الاٍرهاب الذي يعتبر الان الاولوية الاولى بالنسبة لمصر . من جانب اخر ، وفي سوريا واليمن والعراق ، تبدو مصر اقرب الى ايران مما تبدو عليه مواقف قطر ، كما انها تتواصل بقيادة حماس ، او تستضيف بعض قياداتها ، وتبدو الإمارات العربية وهي تستحوذ على حوالى ٩٠٪‏ من حجم التعامل التجاري الخليجي مع ايران ، وقد رفضت في الماضي وما تزال اي تدخل عربي في قضية الجزر التي تحتلها ايران بما يتجاوز الإعلانات الشكلية الموسمية التي تتبناها المؤتمرات العربية خشية تأثيرها على علاقاتها المميزة مع ايران ؛ وعلى المستوى السياسي الاقليمي تبدو عمان اقرب الى التنسيق مع ايران مما تقوم به مع شقيقاته في مجلس التعاون ، وقد كانت عرَّاب المباحثات النووية الأمربكية – الايرانية السرية وتم التوصل للصفقة النووية من حيث المبدأ برعايتها، ومع ذلك يطرح موضوع التعامل مع ايران كما لو كان احد الخطايا الكبرى التي تقترفها قطر وهي تتشارك مع ايران في اهم موارد ثروتها وهو الغاز الطبيعي مما يستوجب التعامل اليومي وتهدئة الموقف معها . ما لا أستطيع فهمه كمتابع هو غياب المنطق والمقاييس المتسقة عن الموقف كله ، ويزداد الامر غموضاً حين ندرس التداعيات الضارة التي نجمت عن الموقف برمته في إطار الحساب السياسي – الستراتيجي عندما نضع أمامنا جملة الاهداف المعلنة .

في دراسة خاصة أعدها معهد بروكنغز الامريكي حول تداعيات الأزمة نشرت في الخامس عر من شهر حزيران الماضي ولعل اهم ماورد فيها هو الإشارة الى تغيير شامل في خارطة العلاقات الاقتصادية لقطر . شكلت السعودية ممراً لنحو ٤٠٪‏ من احتياجات قطر الغذائية فيما كانت موانئ الامارات محطة للسفن التي تؤمن بقية الاحتياجات القطرية في هذا المجال . تستورد الامارات حوالى ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي من قطر . في عام ٢٠١٥ بلغ التدفق التجاري القطري نحو ملياري دولار مع السعودية وسبعة مليارات مع الامارات ونصف مليار مع البحرين ، وتصدر قطر لهذه البلدان بمبالغ اكبر من ذلك . اما الاستثمارات البينية فانها تصل الى عشرات المليارات ، وتنشط في إطار مجموعة هذه الدول العديد من الشركات متعددة الجنسيات . هنالك بالاضافة لذلك روابط زواج أسرية واجتماعية كبيرة كما يقيم عدد كبير من مواطني هذه الدول بشكل متبادل فيما بينها .

لقد أدت اجراءات الحصار الى المسارعة من جانب قطر لإيجاد طرق شحن بديلة عبر عمان رغم تأثير ذلك على الأسعار ، الا ان حلول عمان كمحطة وسيطة سيحد من ذلك .

يذهب التقرير الى ان قطر ستطور طرق تموين بديلة وسأعدل خططها الانمائية بموجب هذه المستجدات كما ان لدى الاقتصاد القطري قدرة كبيرة على التكيف بسبب الوفرة من النقد الأجنبي الموجودة في حوزة المؤسسات المالية السيادية والمصارف الخاصة في البلاد . ستوفر هذه المتغيرات فرص واسعة امام شركاء تجاريين جدد بما في ذلك ايران .

يخلص التقرير الى ان الاثار الاقتصادية للازمة ستكون ذات كلفة على السعودية والإمارات والبحرين وسيكون صعباً عليها إيجاد بديل عن السوق القطرية في المنطقة كما ستتردد الشركات متعددة الجنسية في الاستثمار في مناطق تتغلب فيها الاعتبارات السياسية على الاقتصادية ، ويختتم التقرير بتوجيه النصح لدول المقاطعة لاعادة النظر في اجراءاتها .

بالمجمل فانه من غير المتوقع ان يكون هنالك مستفيد بين الدول الاطراف في الأزمة ، وستكون هنالك فرص اوفر للاعبين إقليميين مثل ايران وتركيا واسرائيل لزيادة نفوذها وتنوع آفاق تحركها على كافة المستويات بما في ذلك المستويات الستراتيجية وسياسات المستقبل متوسط وبعيد المدى .

من المؤكد ايضاً ان هذه النكسة في مسيرة مجلس التعاون الخليجي ستكون ذات اثار بعيدة ان لم تكن قد اشّرت خط الشروع في العد التنازلي لانهاء وجوده رسمياً بعد ان اصبح قصوره وعجزه واضحين في هذه الأزمة .

المقال الذي أقدمه هو واحد من المداخلات القليلة الجادة التي صدرت عن مؤسسات التفكير الأمربكية المؤثرة مثل مجلس العلاقات الخارجية . هذا يعكس في تقديري المتواضع عزوفاً امريكياً لدى اوساط الفكر الجادة عن الانغماس في نزاعات بين حلفاء تقليديين ترى ان بعض أزماتهم هي ثمرة تفكير قاصر وغير ناضج وانه يتعين على الولايات المتحدة اتخاذ جانب الحذر في الانحياز لاي طرف ، وهو موقف يبدو ان بعض أطراف الأزمة قد اخطأت في ادراكه تحت ضغط الاندفاع وقلة الخبرة .

ينبغي كذلك لجميع أطراف الأزمة ان يدركوا ان انفاق الرشاوى السخية لشراء المواقف في واشنطن لن يغني عن النظر الى جوهر المشكلة ومعالجتها محلياً .

كاتبا المقال هما جيفيري ستاسي وباسمة الغُصين وهما خبيران ضليعان في الشؤون الستراتيجية والسياسية ولهما العديد من المؤلفات في هذه الميادين .

لنتابع. ……

ان الحصار الاقتصادي والدبلوماسي الذي تفرضه على قطر كل من البحرين والسعودية والإمارات ومصر بإعلانها مقاطعة شاملة لها منذ الخامس من حزيران على خلفية اتهامها بمساعدة الجماعات الإرهابية ، قد زاد من الخلافات في الشرق الاوسط . ولكن السبب الرئيسي لذلك هو علاقات قطر بايران .

تم توجه إنذار من قبل مجلس التعاون الى قطر للقبول بثلاثة عشر مطلبا ، حتى الثاني من شهر تموز ، تتدرج من انهاء العلاقات مع ايران الى إغلاق محطة الجزيرة التلفزيونية . لايوجد من بين الطلبات مايبدو انه سيكون موضع قبول وأغلبها تم بناؤه استناداً الى مقدمات غير حقيقية تتصل بسياسات قطر { ملاحظة : نسبة الإجراءات الى مجلس التعاون غير دقيق لان مصر ليست عضواً فيه كما ان الطلبات وجهت من قبل ثلاثة من أعضاء المجلس الستة فقط } .

ان عدم استجابة قطر لهذه الطلبات بسبب افتقارها للواقعية والإنسجام ، وعدم وجود خطة بديلة لدى مقدميها فانه من المتوقع ان يشهد الموقف مزيداً من التصعيد من الطرفين . ربما يلجأ مجلس التعاون الى فرض المزيد من العقوبات دون ان يلوح اي تراجع من جانب اي من الطرفين .

ان المجموعة التي تقودها السعودية قد اخطات في اجراءاتها منذ البداية لانها دفعت قطر باتجاه ايران وتركيا من خلال فرضها حصاراً اقتصادياً مما استدعى تقديم تجهيزات عاجلة من هاتين الدولتين الامر الذي حقق منافع اقتصادية لايران كما وثق العلاقات السياسية بين ايران وقطر . من غير المحتمل ان يساعد الحصار على عودة قطر الى حظيرة مجلس التعاون ، لكنها من جهة اخرى تؤكد الميل السعودي للمغالاة في الاداء .

لقد أضعفت السعودية مجلس التعاون بدفعها قطر نحو ايران في وقت مثّل فيه المجلس عنصراً مهماً في الاستقرار الاقليمي والتجارة . لكن الكويت نأت بنفسها عن النزاع وقام اميرها بمبادرة للوساطة حفاظاً على فاعلية مجلس التعاون .

السؤال المهم هو : لماذا وقعت الرياض في مثل هذا الخطأ الكبير ؟ ان مشاعر القلق السعودية بشأن دعم قطر بالمتشددين حقيقية وكذلك أمنيتها برؤية قطر تقلص من علاقاتها مع ايران . لكن المثير للسخرية ان الإمارات العربية لديها علاقات مماثلة مع ايران كما انها تقفل مطاراتها في وجه الخطوط الجوية القطرية في وقت تستقبل فيه الطائرات الايرانية . ان التفسير يكمن في ان علاقات الامارات بايران مقبولة لان الامارات لاتمثل تحدياً للهيمنة السعودية في المنطقة في وقت يُنظر فيه الى قطر باعتبارها صاحبة طموحات تفوق حجمها كما انها تسعى باستمرار لإحباط محاولات السعودية للهيمنة .

من الواضح ان ترامپ كان المحفِّز الرئيس للحصار من خلال احاديثه المؤيدة للسعودية ضد ايران فيما كان عليه ان ينتهز المناسبة لبحث قضية الحرب على تنظيم الدولة . لقد كان حديثه القوي ضد طهران عامل دفع للسعودية للاعتقادات بامكان الضغط على قطر لتخفيض دعمها للمتشددين وشراكتها مع ايران .

لقد بعث ترامپ برسالة خاطئة الى ايران . لقد سبق للإدارة ان اعترفت ان الاتفاق النووي يعمل مما يعني ان الايرانيين قد وفؤاد بالجزء المتعلق بهم من الاتفاق . لقد اكد ذلك بشكل رسمي كل من وزير الخارجية تيلرسون ومستشار الامن القومي ماكماستر . لقد ابلغ تيلرسون رئيس مجلس النواب الامريكي رسمياً ان ايران قد اوفت بمتطلبات التزاماتها بموجب الاتفاق النووي .

ان مواصلة ترامپ لغة ” الاستخفاف والتوبيخ ” تجاه ايران سيوصل الأمور الى اليوم الذي نرى فيه ايران تخرق التزاماتها بموجب الاتفاق النووي . لقد لجمت ايران بعض دعمها للجماعات الشيعة خلال المفاوضات النووية ولم تقطعها تماماً وذلك بسبب رغبة المرشد الإبقاء على قدر من نفوذ المتشددين في بلاده ، لكن لغة الجمهوريين في الولايات المتحدة بشكل عام ولغة ترامپ بشكل خاص ضد ايران قد دفعها لزيادة دعمها لحزب الله والاسد والمليشيات الشيعية في العراق والحوثيين في اليمن { ملاحظة : هذا توصيف غير دقيق ونفهم ان لايران مشروعها للهيمنة في المنطقة سواء تمت الصفقة النووية ام لم تتم ، بل ربما وفرت الصفقة أموالاً ساعدتها على زيادة دعمها للجماعات الطائفية المسلحة . زج ايران ومشاريعها في سياق الموضوع يفتقر لانسجام ومنطقية الموضوع الأساسي } .

لقطر بعض السياسات المناسبة مثل استضافتها القاعدة العسكرية في ” العُديد ” ومعسكر ” السيلية ” ، فيما لاتبدو بعض سياساتها مناسبة مثل دعمها للإخوان المسلمين الى الحد الأقصى . من الجدير بالملاحظة ان هذه الجماعة تحظى بالاحترام داخل قطر على المستوى الشعبي ، لذا تبدو عملية مواجهتها غيرمناسبة من وجهة نظر السياسة الداخلية لقطر . ترى بعض النخب السياسية في قطر ان السماح للإخوان المسلمين بالوجود في قطر يتيح الفرصة لوضعها قيد المراقبة وضمان عدم عدم قيامها بما يعكر الاستقرار الداخلي لقطر كما يمنع قيامها بأية نشاطات ارهابية محتملة في البلاد ، لكن وجود هذه الجماعة في قطر يثير انتقادات السعودية وبقية دول مجلس التعاون { ملاحظة : توصيف غير دقيق حيث توجد الجماعة حالياً بشكل فعلي او رسمي في البحرين والكويت وكانت قياداتها تحظى بالترحيب في السعودية لوقت طويل ، كما انها كانت موجودة بقوة في الامارات لوقت طويل حتى قيام الربيع العربي } .

ان جوهر موضوعنا هو ان المزيد من عدم الاستقرار في الشرق الاوسط لايصب في مصلحة الولايات المتحدة . لقد قاد عدم الاستقرار في المنطقة الى العنف دائماً .

ان من شان المشكلة الاخيرة ان تقود الى إلحاق ضرر دائم بعلاقات قطر مع جيرانها وان تفكك مجلس التعاون سيؤدي الى تغيير جوهري في في موازين القوى في المنطقة جراء تقارب وثيق بين قطر وايران ، يبعد الاولى عن الحليف السعودي القريب للولايات المتحدة ويقربها من خصم لها .وهذا هو عكس ما أُريد للحصار ان يحققه .

ان استمرار صدور الخطاب المعادي لايران من جانب ادارةٍ ترامپ سيؤدي الى خلق عقبة امام النخب الايرانية للاستمرار في الالتزام بالاتفاق النووي ، كما ان استمرار تصعيد النزاع السعودي القطري سيقود الى اضعاف التأييد الداخلي في قطر لبقاء القواعد الامريكية التي اثبتت أهميتها لعمليات الولايات المتحدة في محاربة الاٍرهاب في الشرق الاوسط .

ان أفضل حل هو العمل على صيغة تحفظ ماء وجه السعودية . ان دوام الحال على ماهو عليه يؤدي الى عرقلة تحقيق السعودية لأهدافها الستراتيجية كما يؤدي لمزيد من الضغط على قطر ويضعف مجلس التعاون .

اذا لم يحصل تصعيد مفاجئ في الأزمة القائمة فان هنالك فرصة مناسبة لحل دبلوماسي بشكل صفقة تحفظ ماء وجه السعودية كما تلتزم قطر بموجبها بتقليص دعمها للإخوان المسلمين وتفرعاتها { ملاحظة : المقصود حماس في كل عبارة يرد فيها ذكر الاخوان المسلمين في اغلب الادبيات الامريكية ، علماً ان قطر طلبت قبل قيام الأزمة من قيادات الاخوان المغادرة وبالفعل غادر اغلبهم الى تركيا } ، واعادة العلاقات الاقتصادية مع بقية دول مجلس التعاون . ان تسوية كهذه تحتاج لبعض الوقت . المهم الا تبدو التسوية تنازلات من جانب اي طرف .

ان وجود ١١٠٠٠ عسكري امريكي يقودون عمليات محاربة تنظيم الدولة في قطر يفرض الحاجة لمثل هذه التسوية . لقد أعلن السناتور كروكر رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ وفقاً لصفقات السلاح المستقبلية الى مجلس التعاون ، وسيكون من الحكمة ان يتخذ ترامپ خطوة مماثلة والاتجاه نحو دحر تنظيم الدولة وانهاء الحرب الأهلية في سوريا .

 

شارك
المقال السابقتالي الليل تسمع حس العياط
المقال التالىماهو مفهوم الوطنية عند ساسة العراق ؟

فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست … تخصص في الشؤون الإيرانية....
المزيد عن الكاتب

2 تعليقات

  1. تحياتي للأخ العزيز الأستاذ فائز ..
    تحليل جميل و شرح وافي لآفاق آخر القضايا التي تشغل بال العالم العربي، و برأيي أن الدول الأربعة و على رأسهم السعودية قد أخطأوا كثيرا في مواقفهم هذه تجاه قطر، و كما أشرت مواقفنا و توجهاتنا نحن ليس محاباة أو معاداة لجهة دون أخرى، لكنها لغة العقل و المنطق، أضف إلى ذلك كلنا نعتبر هذه الدول من نسيج واحد و أصول واحدة، و نتفاجأ كثيرا بما يحصل هناك، لأسباب تبدو ظاهريا غير مقنعة ..
    مع تقديري ..

  2. أهنئك سيد السعدون على هذا التحليل الذي يشرح بطريقة مباشرة وغير مباشرة، شاملة ووافية، مأساة العالم العربي وحكامه وانظمته والتي تؤدي به الى التفتت والزوال يوما بعد يوم. حُكام عُينوا منذ البدء من خلال المحتل مهما كان لونه، سواء عثماني ام انكليزي ام فرنسي او اميركي واللائحة طويلة، لكي يقوموا بدور كُتب لهم والا لما تم تعيينهم. لقد اوفوا واكملوا في لعب هذا الدور الذي ادي الى مصائب ومجازر رهيبة في العالم العربي، بالاضافة الى التخلف الاجتماعي الذي بات صارخا اكثر من اي وقت مضى… لا يكفي أن تُشيّد افخم العمارات والجسور والمدن لو كانت روح هذه المدن ميتة، لو كان هذا المال ليس بالحلال ابدا ولا يُستعمل في مكانه…. لا يكفي ان نتفاخر برقصة السيوف وهذه السيوف تُستعمل في قطع الرؤوس… لا نفع لاي حج ولاي صلاة ولاي دين ومتدينين ساعة تُزهق ارواح الابرياء والاطفال والمسنين بكل استخفاف عن سابق قرار وتصميم… العالم العربي الخليجي الذي يمتلك كل الاموال لم يخرج ابدا من فكره العشائري، ولم يستفد من الفترة الذهبية التي أتيحت له لقلب الانطمة الاجتماعية والنهوض بالعالم العربي الى ارقى المناصب، وهو كلن على هذا الشيئ قدير. ما فعله هو انه استعكل الدين للحفاظ على مراكز هو ليس أهلا لها، وها نحن ندفع الثمن اليوم وأغلب العرب يهربون من نيرهم الى الغرب أو اي مكان في العالم بعيدا عن الجهل والتعسف… العالم يهرب بسبب ما أحاكوه من مكائد في الدول العربية بغية نصرة طائفة على طائفة، عرق على عرق الى اعترافهم الضمني والذي أصبح علنيا الان بأسرائيل وتعاملهم بشكل جائر معها…. الفضائح كثيرة وايضا الكوارث. الماساة ايضا، ان شعوب هذه الدول تؤيد الاسلاميين، ولا يعترفون باي بديل لسيطرة الدين الاسلامي على انظمة حكمهم، ضاربين بالعلمانية عرض الحائط.. كيف لا يصبحون لعبة العالم وهم لا دراية لهم بالعالم؟ عشائر يا سيدي. عشائر عشائر

اترك رد