من يشغل المقعد الإسلامي الشاغر؟


 

تؤمن الليبرالية بالمساوة والحرية، وعلى ذلك قامت الأنظمة السياسية الغربية منذ الثورة الفرنسية وحتى اليوم، ونرى أن بعض الاسلاميين نادى بليبرالية أسلامية لكن هل كان هذا النداء حقيقيا أم مجرد ركوب موجة؟… تأسس الإسلام على (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وفي هذا مساواة واضحة تشمل الرجل والمرأة والأفراد والمجموعات البشرية مختلفة، وعلى ( لا إكراه في الدين) وهي إشارة واضحة إلى الحرية الفكرية، لكن الفترات التي تلت التأسيس ابتعدت كثيرا عن هذين المفهومين المباشرين بالغي البساطة، فبرزت هيمنة رجال الدين الذين تداخلت دوافعهم بين ترسيخ تسيدهم كرجال دين، ومناصرة الحاكم والتبرير له في بعض الأحيان، ولعب الدور الذي صاروا يتقنونه جيدا، فقهاء وأئمة وخطباء لا يشغلهم سوى إصدار الفتاوى والحرص على تنفيذها، فقننوا الإستعباد وفرضوا حدود القتل على من يفكر أو يرى رأيا مختلفا عن الإسلام، ووصل الأمر ذروته لدى ابن تيمية الذي أصدر 428 فتوى بالقتل لأسباب مختلفة والكثير منها واهٍ فنرى في بعض فتاواه:

_(من لم يقل أن الله فوق سمواته على عرشه فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل.)
-(من اعتقد أن أحدا من أولياء الله يكون مع محمد كما كان الخضر مع موسى فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.)
-(من قال القرآن محدث فهو جهمي يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه)
-(من جحد حِلّ بعض المباحات الظاهرة المتواترة كالخبز واللحم والنكاح فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل..)
-(أكل الحيات والعقارب حرام بإجماع المسلمين فمن أكلها مستحلا لذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل..)
_(من قال القرآن مخلوق يستتاب فإن تاب وإلا قتل.)
_(من ظن ان التكبير من القرآن فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل.)

ثم استلم المحدثون الراية فظهر سيد قطب المستفيد من الفكر السلفي ليشرع للتكفير الذي تحول إلى شكل منهجي على يد علي اسماعيل وشكري مصطفى فكان ظهور جماعة التكفير والهجرة بادئة لتوالد الكثير من الإتجاهات التكفيرية الأخرى، كالقاعدة وبوكو حرام وصولا إلى داعش.. ولم يقتصر التكفير على السلفيين والوهابيين أو غيرهم ممن يعتنقون المذاهب السنية بل أدلى الشيعة بدلوهم في مسابقة التكفير هذه فدعا بعض شيوخهم إلى قتل (الوهابي النجس)، وقال الشيرازي عقب تفجير مرقدي الإمامين العسكريين (من لا يقول بوجوب قتل هؤلاء وبوجوب قتل مؤيديهم فإنه يكفر علانية بالقرآن الكريم)، وقبل ذلك بسنوات أفتى السيد محسن الحكيم بأن الشيوعية كفر وإلحاد الأمر الذي نتج عنه مجازر 8 شباط 1963، وما زالت فتواه قائمة حتى يومنا هذا فهي لا تبطل إلا بفتوى تبطلها ولم تصدر بعد مثل هذه الفتوى..

إذا كان الإسلام قد تأسس على المساواة والعدالة والحرية فإنه قد انحرف بشكل كبير فيما بعد وهذا ما دعا بعض المتنورين إلى ضرورة التخلص من سلطة رجال الدين واعتبارهم يمثلون أنفسهم لا الدين الإسلامي، ونادوا إلى إعادة تفسير النصوص الدينية وتنقية الدين من الآراء المنفعلة المتزمتة التي قدمها بعض الفقهاء وصاروا يبحثون عن الأفكار الليبرالية داخل الإسلام فقدموا ما أسموه (الإسلام الإجتهادي)، أو (الإسلام الإصلاحي التقدمي) كما يراه البعض مستفيدين من أفكار جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا.. التي حاولت إصلاح فهم المسلمين للإسلام، فهم لا يتقاطعون مع التعاليم والثوابت الإسلامية، لكنهم يقترحون أساليب مختلفة في تطبيق القيم الإسلامية الأساسية للحياة الحديثة، وبعد أن حصر رجال الدين العلاقة بالمحتوى والنص الدينيين بنخبة محددة حتى انهم حاولوا إبعاد العامة عن محاولات تفسير النصوص الدينية، اقترح الليبراليون الإسلاميون منح الفرد المسلم استقلايته وحريته في تفسير النص اعتمادا على فهمه ووعيه،

شرط أن يمتلك هذا الفهم والوعي بالتأكيد، وها نحن نقرأ ونرى الكثير من المنشورات التي تعمل على إصلاح الدين وتقديم فهم عصري جديد ومختلف عما قدمه السابقون، وقد اتسعت دائرة تقديم الليبراليين والإصلاحيين لأفكارهم، فقدمها علال الفاسي وعلي شريعتي ونصر حامد أبو زيد وفرج فودة ومحمد باقر الصدر ومحمد حسين فضل الله وسيد محمود القمني في كتب ملأت المكتبات، ويقدمها الناشطون في هذا المجال حاليا عبر وسائل الاتصال المختلفة، الإذاعة والتلفزيون والانترنت، وتحظى برامج عمرو خالد وعدنان ابراهيم واسلام البحيري بنسب كبيرة من المتابعة لطروحات تتطابق مع رؤى الليبراليين الإسلاميين، في حرية الاعتقاد والتعبير، والفكر، وفي التسامح واحترام كرامة الإنسان وضمان حقوقه في الحياة والمساواة بين الجميع..

لقد اتسعت دائرة العاملين على مناقشة النص الديني والموروثات التي صنع الفقهاء منها دينا مجاورا للدين الإسلامي وركزوا اهتماماتهم على فحص هذه النصوص والموروثات وتنقيتها والعمل على استبعاد ماهو غير صحيح منها، معتمدين أولا على المنهج القرآني ثم الفطرة السليمة التي قد ترفض نصوصا غير منطقية، على شاكلة شرعية زواج البنت الصغيرة ذات الخمس أو الست سنوات، فهو أمر ترفضه الفطرة قبل أن يتعامل معه العقل ويعيده إلى حقيقة كونه تشريع ناتج عن حديث مكذوب أو آية قرآنية أسئ فهمها وتفسيرها.. كما يرون أن التفسير الحرفي للقرآن قد يتقاطع مع السياقات الثقافية والاجتماعية والفكرية للقرن الحادي والعشرين لذا يدعون إلى تفسير ينطلق من وجهة نظر شمولية لما جاء في القرآن أي تفسير لانُقَطي يعتمد الكلمة الواحدة أو الآية الواحدة بحد ذاتها بل تفسير أفقي يستعرض كل ما جاء في القرآن عن الموضوع الواحد.. مثلا الآية التي تقول: (قاتلوا الذين كفروا من أهل الكتاب)، تحمل تصريحا مباشراً بالقتل إن نظرنا إليها نقطياً، لكننا إن استعرضنا القرآن بمجمله سنقرأ: ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم)، ( ولا تجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)، ( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم).. وهناك الكثير من القضايا التي لا تكفي آية واحدة لإتخاذ موقف نهائي منها..

يرى المسلمون الليبراليون بأن الفكر الديني بمذاهبه المختلفة ارتكز على الأحاديث النبوية وتفسيراتها والنصوص التراثية أكثر من اعتماده النص القرآني بوصفه مطلقا في الوقت الذي تعرضت فيه الكثير من الأحاديث النبوية إلى الطعن والتكذيب والتشكيك، مثال ذلك الحديث المشهور : (جئتكم بالذبح) وهو الحديث الذي غدا مرتكزا للممارسات الداعشية ومن قبلها تنظيم القاعدة، لكنه عند العديد من المحدثين والمفسرين حديثا ضعيفا، ويستطيع المهتمون بهذا الموضوع أن يحصلوا على تفاصيل كثيرة عن أحاديث تناقضت مع النص القرآني أو مع غيرها من الأحاديث لكنها ما زالت قيد التداول وتعتمد على أساسها فتاوى ومواقف يصل بعضها إلى حد التكفير أو القتل، ناهيك عن قضايا خلافية كثيرة مثل العبيد والإماء الذين يرفض الإسلاميون الليبراليون قبول فكرة مغايرة إلى كونهم مساوون لغيرهم من البشر ولا يحق لأي شخص استعباد شخص آخر، وهذا متناغم بطبيعة الحال مع قوانين حقوق الإنسان المعروفة اليوم والتي لم يتقاطع معها القرآن، وقضية تعدد الزوجات التي لا يتفق معها الإسلاميون الليبراليون من منطلق أن القرآن نص على أن (إلا أن تعدلوا ولن تعدلوا) وهذا يعني أن التشريع بالتعدد نسف احتمال تحققه لأن صفة العدل بين الزوجات غير قابلة للتحقق.. ولعل أكثر ما ينشغل به الإسلاميون الليبراليون هو موقفهم المؤيد للديمقراطية ولفصل الدين عن الدولة، وهذا يعني إيمان واضح بعلمانية الدولة.. كما أنهم يدعون إلى التسامح والحوار بين الطوائف والأديان وتسوية النزاعات وصولا إلى مجتمع مسالم.. ووفق هذه الأفكار المنفتحة على واقع اليوم بما فيه من تناقضات وارتباكات، نرى أن الإسلام الليبرالي هو المرشح الأكثر منطقية لشغل المقعد الإسلامي الذي تعمل الكثير من القوى الدولية على جعله شاغرا بعد أن نجحت بوصم الإسلام بالتشدد ومعاداة التقدم العالمي.

لا تعليقات

اترك رد