قوة المحبة


 

إن المحبة قوة جذب إنسانية إلى جانب مزاياها الأخرى. وبطبيعتنا، فإننا معشر الناس يجذبنا كل ما هو جميل وسارٌّ، ذلك لأن قوة الجذب كامنة في صلب علاقاتنا. فعندما نقع في حبّ شخص ما فذلك لأننا وجدنا السرور والبهجة في مصاحبته. في واقع الأمر عندما يتكلم معظم الناس عن المحبة فإنهم يتطرقون إلى قوتين عظيمتين: الإنجذاب والإشباع. فعادة ما يقع الناس في الحب لأنهم وجدوا في محبوبهم تلك الجاذبية وذلك الإشباع الذي يلبّي حاجاتهم الآنيَّة الهامة. ففي حبنا الرومانسي (وهي المرحلة الأولى للمحبة) فإننا عادة ما ننجذب إلى الصفات الظاهرة الواضحة للشخص المقابل ويغدو انجذابنا قوياً عندما نكتشف أن بإمكانه أيضاً أن يلبّي بعض رغباتنا وحاجاتنا، ثم تصبح هذه العلاقة قوية جداً عندما يجتمع الإنجذاب الناضج مع الإشباع الناضج لحاجاتنا ويلتقيان معاً. فعندها يذوب الحبيبان في بعضهما البعض، فلا تمرّ لحظة دون أن يفكّرا ببعضهما، ويودّان البقاء معاً كارهيْن وقت الفراق. هذه الحالة المفعمة بالعواطف الجيّاشة عادة ما تُحرَم من الديمومة، لأن الحبيبيْن كلما قضيا وقتاً أطول مع بعضهما البعض يبدآن في التعرُّف كلٌّ على الآخر بشكل أفضل ويكتشفان جوانب غير جذّابة، عدا عن أن قوة الإرادة عند كل منهما تأخذ في الضمور فنجدهما يختلفان في بعض الأمور، فتختلف أولوياتهما ولا تجد الأمور لديهما نفس القدر من الأهمية. فلا توافُقَ بين هدفيهما وتبدأ متطلباتهما في التغيير، وما وجدوه في البداية جذاباً سيجدونه بالعكس. هنا تبدأ أزمة المحبة في الظهور، فيشعر كل منهما بهبوط وتيرة اندفاعه نحو الآخر ثم بالإحباط وخيبة الأمل. والأخطر من ذلك يبدأ كل واحد منهما يتخيل أن نبع المحبة عنده آخذ في النضوب ويصلان إلى نتيجة أن المحبة بينهما قد ماتت، وقد يبدآن في البحث عن حب جديد. في هذه المرحلة بعض الأزواج ينزِعون إلى الجدال والشجار، بينما آخرون يختارون البُعد عن بعضهما في جو من الحٌنق البارد. في هذه المرحلة أيضاً يبدأ الزوجان في توجيه اللّوم كلٌّ إلى الآخر على ما هو عليه من

تعاسة، فيحجبان العواطف عن بعضهما، وغالباً ما يشرع أحدهما أو كلاهما في البحث عن أصدقاء جُدد أملاً في بدء علاقة رومانسية جديدة. وبكلمات أخرى نجد أن الزوجين في هذه الحالة لا ينتقلان إلى المرحلة الثانية والأصعب من حبهما، فيعودان إلى المرحلة الأولى في علاقة حب رومانسية أخرى. وبينما نجد أن المرحلة الثانية أكثر إيلاماً للطرفيْن فإنها أيضاً الأفضل في دفعهما نحو نموّ علاقة المحبة وتطورها، فهي المرحلة التي لا تضع محبتنا على المحكّ فحسب، بل وقدرتنا على فهم الآخر ومدى إرادتنا في ذلك أيضاً. ما مدى دقة معرفتنا بالطرف الآخر؟ وما مقدار ثقتنا بأنفسنا؟ هل من الجائز أننا اكتشفنا بأننا أنانيون ولا نريد الإعتراف بذلك نتيجة هذه العلاقة الغرامية؟ وهل يا تُرى افتقدنا الشعور بالأمان والإطمئنان وعَجَزْنا عن بناء حياتنا على أساس المساواة والنِّدِّيَّة؟ وأننا نزّاعون إلى إخفاء قصورنا ولا نرغب في كشفه؟ وأننا غيورون فنلجأ إلى إرجاع سبب عدم ثقتنا بأنفسنا إلى الطرف الآخر محاولةً منا في إخفاء الغيرة؟. لا شكّ أن في المرحلة الثانية من علاقة المحبة سنجد أموراً مثل هذه وغيرها مؤلمة ولا بدّ لها أن تطفو على سطح الحياة الزوجية ولكنها قيّمة للغاية. إنها ثمار معرفة الذات وقد جَنَتْها عملية محبة الفرد للطرف الآخر.وحيث إن هذه الرُّؤَى مؤلمة فيلجأ الطرفان إلى توجيه اللوم، كلٌّ إلى الآخر على ما يعانيه من مصاعب وأزمات، وقد يُقْدِم أحدهما على خطوة يُنهي بها تلك العلاقة. إذا كنا جادّين حقاً في فهم أنفسنا وفهم الطرف الآخر الذي نحبّه، وإذا كنا عازمين على تسخير قوة إرادتنا في مساعدة أنفسنا على النموّ والتطور حتى نغدو شخصية أكثر تكاملاً، عندها سنخطو عتبة المرحلة الثالثة من علاقة المحبة – مرحلة المحبة المنيرة أو حالة الوحدة والإتحاد بين الحبيبيْن. في هذه المرحلة تُقَوِّي جذورَ محبتنا درجةٌ أعلى من معرفة أنفسنا ومعرفة الطرف الآخر، وعندها نتعرّف على ما يملك كلٌّ منا من نقاط ضعف وقوة، ونتحلّى بإحساس أرقى تجاه احتياجات الآخر وقدراته، فتنمو بداخلنا مَلَكة الحِلْم تجاه الآخر ولا نعود في حاجة إلى التنافس بل إلى الرغبة في تشجيع الآخر وتنمية إيجابياته ومساعدته بكل ما نملك، فلا نرى بعضنا إلا من منظور الوحدة والإتحاد. هذا النوع من المحبة يسطع فيه النور وتتجلى الإرادة القوية ويغمر الطرفيْن إحساسٌ مرهف باحتياجات الطرف الآخر. إنه تعبير صادق عن وحدة الروحيْن.

إن المحبة الناضجة والوحدة أمران لا ينفصمان، ذلك لأن الوحدة هي التعبير الأمثل عن المحبة الشاملة؛ محبة الفرد للمجموع ومحبة المجموع للفرد، والكل يرى في الآخر ذلك الجمال الفريد الذي يملكه. وبمعنى آخر فإن الحب هو الذي يوحّد الناس؛ ففي عملية من الإنجذاب والإستنارة والتعاون سندرك ونوقن بأننا متشابهون ومختلفون في آن معاً. متشابهون بإنسانيتنا ومختلفون في أساليب تعبيرنا عن هذه الإنسانية. إنها سِمَة تَفَرَّدْنا بها عن باقي المخلوقات وهي التي تقرِّبنا من بعضنا البعض وتوحِّد أرواحنا. فالوحدة إذن تعبير عن المحبة في أَلَقِها العالمي غير المشروط. وكوننا نجهل أحياناً كيف ندخل رحاب المحبة بأسلوب ناضج، وكيف نؤسس حياة زوجية وعلاقات على أساس من المساواة، فإن العديد من علاقات الحب التي نقيمها تُصابُ بالفساد وتصبح سبباً في التباعد والإنفصال بدل من أن تحقق الوحدة.

لا تعليقات

اترك رد