الصّورة الفنّية بين التّخييل والمحاكاة


 

الصّورة الفنّية بين التّخييل والمحاكاة
(جزء من مبحث مطول في ندوة علمية حول إنشائيّة التّخييل )

قد تخول لنا الأسباب الحفر في مفهوم التّخييل وتطوّره منذ الفلسفة اليونانيّة إلى التنظيرات الحديثة للأدب . وفي هذا السياق المعرفي نحاول أن نتبيّن علاقة التّخييل بالشّعريّة … قد يكون من المهم أن نبحث في كيفيّة الاشتغال الشّعري لهذا المفهوم بتعريفه اللّغوي كما جاء في لسان العرب لابن منظور من خلال مادة “خيل” : ” خال الشيء يخالُ خيْلا وخِيلة يخَلْ أيْ يظن والخيال: خيالُ الطّائر يرتفع في السّماء فينظر إلى ظلِّ نفسه فيرى أنّه صيد فينقضّ عليه فلا يجد شيئا ، وهو خاطف ظلِّه. والخيال والخيالة: ما تشبّه لك في اليقظة والحُلُم من صورة…” والتّخييل تصوير خيال الشّيء في النّفس وقد ورد في تعريفات ابن سينا على لسان حازم القرطاجنّي : “والمتخيّل هو الكلام الذي تُذعن له النّفس فتنبسط لأمور أو تنقبض عن أمور من غير رويّة وفكر واختيار ،

وبالجملة تنفعل له انفعالا نفسانيّا غير فكريّ سواء كان المقول مصَدّقاً به أو غير مصدّق به ، فإن كونه مصدّقا به غير كونه مُخيّلا أو غير مخيّل ، فإنّه قد يصدق بقولٍ من الأقوال ولا ينفعل عنه، فإن قيل مرّة أخرى على هيئة أخرى انفعلت النّفس عنه ، طاعة للتخيّل لا للتّصديق ،فكثيرا ما يؤثر الانفعال ولا يحدث تصديقا ، وربّما كان المتيقّن كذبه مخيّلا . وإن كانت محاكاة الشّيء لغيره تحرّك النفس وهو كاذب فلا عجب أن تكون صفة الشّيء على ما هو عليه تحرّك النّفس وهو صادق ، بل ذلك أوجب ، لكن النّاس أطوع للتّخييل منهم للتّصديق والمحاكاة شيء من التّعجيب ليس للصّدق ، وأكثر من ذلك فإن حازما يرى المحاكاة بمقابلتها بالصدق وكأن المحاكاة لا تتحقق إلا بمقابلة حقيقة الشيء قصد إثارة التّخييل لدى المتلقّي ،أي ما يمكن اعتباره استجابة جماليّة للحس الابداعي .

بهذا يبدو – حسب رأي حازم -أن الناس أطوع للتّخييل منهم للتّصديق بل إنّ “المحاكاة الصّادقة ” المخيّلة قد لا يُهتم فيها بجانب الصّدق بقدر الاهتمام بما يُثير الانفعال دون اعتبار للعقل أو للمنطق . من هذا القول يتضح لنا أن التّخييل معاناة مترتّبة عن التقاء المتلقّي بالنصّ الذي يمثّل محاكاة لشيء ما . بذلك يمكن اعتبارا لمحاكاة مرحلة أولى نحو التّخييل . يؤكّد الدكتور سعد مصلوح في كتابه “حازم القرطاجني ونظريّة المحاكاة والتخييل في الشّعر ” على الترابط الوثيق بينهما وذلك بارتباط الأثر النّفسي للتّخييل عنده بالتذاذ النفس الانسانيّة بالمحاكاة التي هي وسيلة التّخييل ، وهذا أمر مركز في فطرتها ” .

وهو أمر يؤكّده جابر عصفور بما عرف عن أرسطو من أن الشّاعر لا يتّبع عقله أو معرفته ، بل يتّبع انفعالاته النّفسيّة والنّاس – كما يقول الفارابي – “يتّبعون تخيّلاتهم أكثر مما يتّبعون عقولهم. وللصّورة التّخييليّة تأثير في تلوين الفكرة بشكلها الفاتن لأن الانسان قد يتلقّى الأفكار أحيانا عن طريق قلبه وعواطفه وخياله وأوهامه ويعمل بما يصادف هوى نفسه ، وما ذلك إلاّ لأن النّفس البشريّة تميل إلى رؤية الأشياء كأنّها حقيقة مسلّمة يؤيّدها العقل ويرضاها المنطق ” . ونخلص هنا إلى أنّ المحاكاة هي علاقة النّص بالعالم الذي تصفه وصفا جماليّا. أمّا التّخييل فعلاقة النّص بالمتلقّي ويحدّده حازم القرطاجنّي بموقعه في الشّعر بقوله بأنّ التخييل فيه : “يقع في أربعة أنحاء : من جهة المعنى ، ومن جهة الأسلوب ومن جهة اللفظ ومن جهة النّظم والوزن .

لعلّه أمر مهم يؤكد على إنشائيّة المعنى وشعريّة التّخييل هذه التي تتشكّل عبر أدوات تعبيريّة مختلفة تجعل القول الشّعري يتجاوز الوزن والقافية إلى أدوات أخرى توسّع من معنى الشّعريّة وتحوّل المعنى النّثري إلى شعر ويرتقي بتخاييل المعنى إلى مواقع الصدارة والاهتمام . وهاهنا تنبجس قيمة “الصّورة الفنّية ” باعتبارها أحد أبرز العناصر المحقّقة لمفهوم الشّعريّة .. لعلّنا نحتاج في هذا السّياق أن نعود إلى الفلسفة اليونانية والتراث العربي القديم ونحفر في معنى الخيال وموقف هؤلاء منه.

لا تعليقات

اترك رد