تساؤلات بشأن اشتغال منطق العقل العلمي لوقف تداعيات خطاب الخرافة – ج1

 

في ظل النكبات والكوارث وأشكال الضغوط والابتزاز، يتفشى اليوم هروب من الواقع باتجاه خيال مرضي تجسِّدُه تمظهرات (الخرافة) وآليات اشتغال التفكير فيها بل قل آليات تعطيل التفكير.. ويتمادى المرء في استسلامه لذاك الخيال المرضي والاستغراف بعبثية الخرافة.. وهو الأمر الذي وفّر ويوفر فرص تمدد قوى استغلالية من الطائفيين المفسدين…

من يتحكم بالمشهد اليوم هو مفسد يتبرقع بجلابيب التدين وما يتيح له البقاء والمناورة والسطو بعنف أشد هو أرضية تفشي خطاب الخرافة وطابعه البياني المغلق؛ ذاك القائم على جماليات الانبهار بكل لغو منمق لا ينهك متلقيه في التفكر والتدبر والبحث عن البرهان بل يدغدغه ويسطح الأمور عنده…

بظل هذا المشهد تجري جريمة محاصرة العقل العلمي.. وهناك عوامل لهذا الحصار فمن ذلك إشاعة الأميتين الأبجدية والثقافية المتمدنة\الحضارية سواء بانهيار شامل في التعليم أم بحجب الخطاب الثقافي السليم، تفاقم الفقر والحاجة للقمة العيش بأي طريقة وضمناً انهيار الطبقة الوسطى واضمحلال وجودها ودورها، انتشار العنف المفرط بخاصة العنف التصفوي الدموي بوجود البلطجية والميليشيات ممن يستبيحون كل شيء، التركيز على محاربة منتجي الثقافة وتهجيرهم إن لم يكن تصفيتهم والتضييق عليهم، بالتهديد والابتزاز وباعتداءات همجية بلا حدود…

في ثلاثينات القرن المنصرم لم يكن الأمي مدعيا متمظهرا بما ليس فيه، وكان يجلّ المتعلم والعلم ويبحث عن إجابة أسئلته عند منتج الثقافة.. فماذا حلّ كي تنقلب الأمور ويصير الأميّ أخطر من مدعٍ؟ وما هي وسائل معالجة هذا الانقلاب في الأمور؟

أعود للتذكير بأنّ المجهَّل المفقَر تمت تهيئته ليبحث عن الخرافة وخطابها وعمن يمنحه إجابات قدرية لا تكلفه جهداً وقد تم استنزاف كل طاقاته.. وبهذا يبحث عن (رجل الدين) المزيف الذي يلعب به ويعبث بحياته بألفاظ لا تغني ولا تسمن ولكن تدغدغ مشاعر الخائب المهزوم الذي تطارده انكساراته وخيباته في تفاصيل يومه العادي أينما ولَّى وجهه…

هذه الشخصية المحطمة المتشائمة الحزينة المبتلاة تخشى مغادرة الحياة وقد خسرت ما بعدها أيضا! وهي بهذا الأبعد عن أن يكون مرجعها ومن تطلب منه إجابات أسئلتها رجل علم منتج ثقافة ما يتطلب تشغيل العقل المعطل مسبقاً…

ما يجابهه العقل العلمي ونخبته وآليات اشتغاله، هي جملة من التحديات المعضلة المستفحلة. كيف يصل إلى من بات يسخر من كل منطق وليس منطق العقل العلمي فقط؟ إنَّ عليه أن يوجد خطاباً قادراً على النفوذ عميقا في روح المواطن المبتلى ليشحنه بطاقة جديدة انتهت فيه وسط ركام المشكلات والتعقيدات الحياتية…

إننا بحاجة اليوم، إلى خطاب إبداعي جمالي يتحدث إلى النفس والضمير والمشاعر أولا ليولّد الطاقات الروحية المفتقدة وليعيد معالجة الجراحات القيمية التي اغتالت كل جميل متفائل في حياة الإنسان.. وطبعا لتعيد شيئاً من التوازن إليه بخاصة أمام ترنحه تحت وطأة الضربات المهولة التي عانى ويعاني منها يومياً…

إنّ إنتاج ثقافة روحية تنويرية بخلاف ما تفشى طوال السنوات العجاف من المشاغلات وأشكال الابتزاز، هو واجب من واجبات العقل العلمي.. فنحن هنا لا نشير إلى التخصصات التكنولوجية المهنية وكأننا في ورشة بناء أو مصنع أو معمل. إننا نشير إلى (منطق) عقلي يؤنسن وجودنا؛ ويدفعنا لتبني الآمال والتفتح واستشراف حاضر مختلف ومستقبل غني بتمدين الإنسان وتقدمه ومن ثم انتمائه لعصره، حيث مرحلة حضارية تكاد تجتاز حتى المتعلمين لنصوص مدرسية تقليدية…

العقل العلمي مطالب بتزويد الإنسان اليوم ما يقيه الخنوع لحجم الضربات وعنفها المفرط واستباحتها القيم لتحيلها لمجرد قيم ماضوية مجترة مجمدة متكلسة لا تسمح بفعل إيجابي..

في ضوء هذين الاتجاهين مما يتفشى مرضيا من اتجاه ومما يتحدى بطوليا من منطق عقلي علمي، يتسع في العراق البون بين الانسحاق الثقافي المعرفي وبين التجهيل وخطير الانكسار النفسي الروحي القيمي..

ومثلما اتسع الفقر أفقيا حتى بات قريبا من ثلثي الشعب العراقي فإنه يتفاقم عموديا حيث فجوة الفقر تدفع بالمسحوقين إلى قعر الحاجة إلى حد الخنوع لكل ابتزاز يُفرض عليه..

والانسحاق المادي حيث الفقر المدقع يماثله انسحاق معرفي ثقافي قيمي وهنا يمكننا الحديث عن ظاهرة فقر روحية متفشية بشكل ونسبة بلغت حدوداً استثنائية…

العقل العلمي عندما يحصر اشتغاله بالأكاديمي التخصصي الضيق لن يجد فرصة للعمل الحقيقي وإذا اشتغل بموقع فهو معطل الإنتاج الفعلي لأن الذي يدير اشتغاله شخصية لا تعرف توظيف منجزه فتديره بفشل مع سبق الإصرار على إحداثه من أطراف التسلط بالإشارة إلى طبقة الكربتوقراط المتجلببة بجلابيب التدين المزيف المدعى…

لكن بالظروف العراقية يجب على نخبة العقل العلمي حمل مسؤوليات قيمية أخلاقية اشمل هي المسؤولية الوطنية الداعية لتحرير العقل والوصول إليه بوسائل تتناسب والمتاح في التفاعل مع المسحوقين المقهورين…

ولكن، هل اقتربت نخبة العقل العلمي من هذه المهمة حتى الآن؟ وكيف يمكنها أن تحمل المهمة؟

الصحيح أنها مازالت بعيدة غذ أن من وسائل حكم الطائفيين ونهجهم تمزيق اي محاولة للتنظيم (الثقافي) التنويري وطعنها بمختلف الطرق الانتقامية العنيفة.. كما أنهم لا يسمحون بتوسع فرص عمل مراكز البحث العلمي والجامعات ولا يسمحون باشتغال البحوث ميدانيا أو على ظواهر معاشة متفشية وينشرون قيم الفردنة والشخصنة ونوازع الشللية بديلا عن الروابط الأكاديمية ومجالس وهيآت التخصص الوطني والقومي، مثلما يقطعون اية فرصة للتبادل المعرفي العلمي مع العالم المتحضر المتقدم..

وبسيادة ظواهر الفردنة والشللية وأمراضها تضعف حد الهزال اشتغالات حمعيات الثقافة التنويرية ومنطق العقل العلمي..

إلا أن ذلك ليس نهاية المطاف، فتراكم التجاريب تحديداً التي يجري إفشالها يوفر إمكانات التقاط وسائل المعالجة والتصدي ووقف التداعيات وأشكال الانهيار لتنطلق العجلة مجدداً بنيوياً وتعيد تنظيم نفسها كما تعيد ارتباطها بجمهورها وتلفه حولها وتكون مرجعا سوياً سليماً صحياً لإنقاذه ببرامج ناجعة مناسبة..

ما مفردات التحول في اشتغال العقل العلمي، سنجد له فقرته بمعالجة لاحقة لكن، هنا كان مجرد محاولة لتسليط الضوء على التقسيمات الجارية وآليات اشتغالها على ضفتي التناقض بين ما يشاع وينكأ الجراحات وما يمكنه المعالجة وإن كان حاليا محاصراً..

فيما ألمل يبقى قوياً وتبقى شموسه ساطعة وبعض غيوم داكنة لن تلغي حقيقة وجود تلك الشموس وإمكاناتها البهية في التغيير..

فقط تحذير من محاولات سرقة الاسم والتخفي هذه المرة بظلال جلابيب مدعاة كما جلابيب التدين الكاذب التي ارتدوها طوال عقد ونصف العقد وفرضوا بها الظلاميات والتخلف…

وإلى لقاء بإطلالة تنويرية أخرى في ضوء تساؤلات تصل عبر تفاعلاتكم

لا تعليقات

اترك رد