الفلسفة في عصر الإنحطاط العربي


 

حين نريد ان نفهم ماهي الفلسفة فإننا نذهب الي اليونان ، وحين نبحث عن معانيها ووسائلها ودورها فإننا نقرأ لأرسطو وأفلاطون وسقراط وطاليس وغيرهم الكثير. ورغم ان الفلسفة لا ترتبط حصريا بالحضارة اليونانية، لأن الفلسفة جزء تاريخي من الحضارات البشرية منذ انطلاقها بالتأمل والبحث والتفكير والسؤال ، إلا أن الفلسفة اليونانية لعبت الدور الأكبر في تأصيل المفهوم وشرح الغاية من الفلسفة باعتبارها كما قال أرسطو بأنها ترتبط بماهية الإنسان التي تجعله يرغب بطبيعته في المعرفة.

وقد تطورت مفاهيم الفلسفة خلال فترات تاريخية متعاقبة تناولت عدة مواضيع تتعلق بالمنطق والكون والخالق والعقل والإرادة الحرة والغاية من الحياة والمعرفة وصفات الخير والشر والجمال والقبح والحقيقة بأنماطها المختلفة. وقد تم تقديم هذه الصفات والمعاني والدلالات وفقا للممارسة التحليلية والمنهجية النقدية في الأصول والتفرعات والنهائيات. ونتج عن الفلسفة مدارس وتيارات كبرى انتقلت من المدرسة اليونانية الافلاطونية الي المدرسة التجريبية لأرسطو حتى ظهرت مدارس فلسفية مستقلة لها بنائها المنتظم وفلاسفتها الكبار أمثال ديكارت وكانط وهيغل وغيرهم، وقد تفرعت الفلسفة الي فلسفات شرقية وغربية ودينية تناولت دور الانسان في التفكير المستقل وبناء المعرفة الزمكانية وتأثيرات الأديان والتقاليد على العقل والسلوك والأخلاق.

ما يهمنا في هذا المقال اليوم هو الفلسفة العربية ودورها ومآلاتها وانحطاطها التاريخي الذي نشهد اليوم في غيابها غياب الإنسان العربي عن الفعل والإرادة والأخلاق..فهل فعلا كان لغياب الفلسفة دورا كبيرا في تدمير مجتمعاتنا وتعطيل العقل العربي وسيادة الإستبداد والوصاية الدينية؟؟..أم أن الفلسفة لا تزال ترفا نخبويا يمارسها كما يقال من “يتفلسف” ومن يعيش منفصلا عن الواقع؟؟.

يقول فيليب فال وهو محاضر فرنسي عمل في الإستشراق حول أصول الفلسفة العربية “لا أستطيع أن أحدد تاريخًا دقيقًا لظهور مفردة فلسفة، لكن بوسعنا أن نرجِّح ظهورها بدءًا من القرن الثاني للهجرة (القرن الثامن للميلاد). مهما يكن من أمر، فالمؤكد أن كلمة فلسفة تعريب للكلمة اليونانية philosophia. غير أن التعريب يختلف عن الترجمة، ومن شأن هذه المسألة اللسانية أن تذكِّرنا بأنه لم يكن في الثقافة العربية أصلاً ما يكافئ الفلسفة اليونانية، وهو سبب استشعار العرب الحاجة إلى تعريب الكلمة اليونانية مباشرة، لكنْ في صورة تشي بأصلها اليوناني، كما قال أبو نصر الفارابي، كبير فلاسفة القرن الرابع للهجرة، إلى أن “اسم الفلسفة يوناني وهو دخيل في العربية”، على حدِّ قوله. وهذا بالضبط ما أخذه على الفلسفة جميعُ خصومها حتى القرن الرابع عشر على الأقل: هي “دخيلة” على اللسان العربي بوصفه لغة القرآن، وبالتالي، “دخيلة” على الوحي نفسه”.

ولعل ما أساء الي العقل العربي بصورة كبيرة الي اليوم هو تحريم الفلسفة واعتبارها رجسا من عمل الشيطان والخوض في مالا يجوز الكلام حوله. ففي سؤال موجه في موقع اسلام ويب هل الفلسفة في الإسلام حرام كانت الإجابة كالتالي: “السلف قد حذروا من الخوض في الفلسفة والكلام، حتى قال الشافعي: حكمي في أهل الكلام أن يطاف بهم على العشائر، ويضربوا بالجريد والنعال، ويقال: هذا جزاءُ من ترك كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحاصل أنه لا يجوز الاشتغال بالفلسفة إلا لمن أراد بيان ضلال الفلاسفة مع الحذر الشديد، وبعد التمكن من العلوم الشرعية، والعقائد الصحيحة، وحتى بعد تحصيل كل هذا فالأسلم الابتعاد”. وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية: ” ولا يجوز لمسلم أن يدرس الفلسفة والقوانين الوضعية ونحوهما، إذا كان لا يقوى على تمييز حقها من باطلها خشية الفتنة والإنحراف عن الصراط المستقيم”.

ولم تستند فتاوي تحريم الفلسفة اليوم ومنع الناس من الإنشغال بعلم الكلام والسؤال والشك والنقد إلا بعد أن علمهم كبيرهم أبو حامد الغزالي الذي أعلن في كتابه

“تهافت الفلاسفة” فشل الفلسفة في إيجاد جواب لطبيعة الخالق، وقد صرح في الكتاب إن الفلسفة يجب أن تبقى مواضيع اهتماماتها في المسائل القابلة للقياس والملاحظة مثل الطب والرياضيات والفلك واعتبر الغزالي محاولة الفلاسفة في إدراك شيء غير قابل للإدراك بحواس الإنسان منافيا لمفهوم الفلسفة من الأساس.

وبهذا الكتالب، ورغم رد ابن رشد عليه في كتابه “تهافت التهافت”، إلا ان لصوت الدين والمؤسسات الدينية صوتا أعلى في بقاء الفلسفة محرمة بشكل كبير الي اليوم في غالبية مجتمعاتنا العربية والاسلامية. فالدول التى تسمح بدراستها اليوم لا تقدمها بشكل كبير بل بأجزاء معرفية تم أسلمتها وتحويرها بشكل لا يرضى نهم القارئ أو الدارس بمعرفة ماهية الفلسفة ودورها العميق في تأصيل المعنى والفهم والإدراك.

فلماذا الفلسفة مهمة اليوم؟؟..ولماذا تحاربها الأديان وخصوصا الإسلام والمؤسسات الكهنوتية، بل ويتم قتل وسجن ونبذ كل من يمارسها بشكلها الجرئ كما تم للحلاج وابن المقفع وغيرهم الكثير؟؟..يقول هيغل في كتاب أصول فلسفة الحق “إن مهمة الفلسفة تنحصر في تصور ما هو كائن، لأن ما هو كائن ليس إلا العقل نفسه”. وبهذا ينغلق الباب أمام رجال الدين في توطين الفتاوي والنصوص الدينية مكان العقل، ويتم سحق الانسان وإغراقه بالغيبيات والميتافيزيقيات بديلا عن التفكير والنقد والشك المؤديان الي الخلق والابتكار والإبداع في مختلف مجالاته مما يقود بالضرورة الي التطور وفهم العلاقات البشرية وتكوين المجتمعات والدول الحديثة. ورغم أن الفلسفة لا تحل المشاكل، الا أن أهميتها تكمن في علاقتها مع العلوم والانسان وتصويب الأخطاء الناجمة عن الفوضى الفكرية التى يصنعها الجهل. فالفلسفة هي الأرضية لجميع العلوم التى أنشأها الانسان بعد حاجته الي الحياة، فالنهج الفلسفي في طرح الأسئلة والشك بالمسلمات واليقينيات يخلق أنشطة عقلية ينبعث منها الأفكار والنظريات، فهي فعل فكري يلازم جميع قضايا وجوانب الحياة الفردية والاجتماعية والإنسانية، فعل منهجه التأمل، تجتمع فيه الدراسة الشاملة والتحليل المنطقي العميق والنقد الدقيق.

وتواجه الفلسفة في مجتمعاتنا العربية التى وصلت الي قاع الحضيض في الثقافة والأخلاق والاقتصاد والجهل معضلتين يجب حلهما للخروج من مأزق تحريم الفلسفة. الأولى متعلقة بنمط التلقين الموروث والأخرى بمحاربة الفلسفة من قبل المؤسسات الدينية ورجال الدين.

حيث يمثل نمط التلقين لغالبية الشعوب العربية دورا أساسيا في تشكيل المفاهيم والمعاني والمصطلحات، فما زالت الفلسفة في العقل العربي كفر لانها تتكلم عن الله كما ولا زالت مثلا العلمانية دعوة الي الإنحلال لأنها تنادي بالإلحاد . فهذه المفاهيم موروثة تلقينية لم تتعرض الي النقاش والبحث والتحليل بل تم اعتبارها هكذا بعد عقود من التوريث من خلال المساجد والتعليم والإعلام.

والمعضلة الثانية وهي الأهم في تشكيل المعنى والمفهوم بالعقل العربي هو أن الفلسفة تشكل خطرا على الدين وعلى العقائد الإيمانية ، وأنها كثيرا ما تؤدي دراستها إلي زعزعة الإيمان في النفوس ، وتبذر بذرة الشك والإلحاد. وبهذا المنطق استطاع رجال الدين التاثير على التيارات الفكرية بما فيها الاسلامية، كما حدث مع ابن رشد وغيره، لمنع الفلسفة وعلم الكلام وما يتفرع منهما من تحليل ونقد وتساءل منطقي. فالإسلام الي اليوم لم يقبل الفلسفة الا اذا كانت تؤدى الي الايمان ويرفض بالمقابل أي تشكيك في مبادئه وأصوله ووحيه المنزل على النبي محمد، والأكثر من ذلك اعتبر الفلسفة كما جاء في الفتاوي من العلوم التى تؤدي الي غضب الله ومعصيته.

لكن ما غاب عن الإسلام والمسلمين ان الفلسفة لا يعنيها الإيمان أو تحويل الناس الي الإلحاد، فهي ليست دينا ولا مؤسسات فلسفية قهرية بل تقدم المعرفة الي العقل وتطرح التساؤلات المنطقية وتزيح غشاوة الجهل ليكون الإنسان حرا في اختياره لنمط الحياة التى يرغب دون أي وصاية عليه. فإذا كانت الفلسفة تعمقا في المعرفة والبحث للوصول إلي حقائق الحياة العليا، وعللها الأولى ، أي تنظر إلي الوجود نظرة إجمالية عامة ، فإنها بالتالي الأقدر على الأخذ بيد المجتمع نحو الرقي والتمدن. فما تقدمه الفلسفة على المستوى الفردي، وعلى المستوى الاجتماعي، وعلى المستوى الإنساني، أي أنسنة الإنسان، لعب دورا كبيرا في توصل الانسان الحديث الي قيم العدالة وحقوق الانسان والمساواة والعلمانية والديمقراطية بشكلها القانوني والأخلاقي.

3 تعليقات

  1. خلو المجتمع من المشتغلين بالفكر والفلسفة حال دون القدرة على تحليل وتفكيك ما يمر بِنَا من انهيارات نحتاج الى وقفات رصينة ومراجعات جادة لن ينفعنا فيها التراث الديني في الواقع بل الفكر والفلسفة.

  2. علم الكلام او اللاهوت هو علم ترقيعي مهمته الدفاع عن العقائد الدينية وهو علم لا طائل منه.
    بينما الفلسفة مهمتها النظر والتحليل والنقد وفق الأطر العقلية البحتة وترتبط بمجالات كثيرة العلوم والمنطق والاخلاق والميتافيزقياء والسياسة وغيرها.
    فهما نقيضان لا يجتمعان.
    والغزالي كان من كبار المتكلمين.

اترك رد