حياة عامرة، وفراغ قاتل


 

لعّل التقدم التكنولوجي قد أغدق على البشرية مزيدا من الوقت فيقضاء حوائجها فطُرق التواصل والمواصلات,والتقدم التكنولوجي بشكل عام اختزلوا الكثير من الزمن و الجهد في قضاء حوائج الناس، ومع ذلك يبقى معيار الزمن غير متساوي بين الأفراد. فمن يرى سيرة الأولين، الرسول عليه الصلاة و السلام وأصحابه على سبيل المثال صالوا ، جالوا ، تعلموا، تنقلوا، سافروا، و لا يختص هذا الأمر بأجدادنا فقط ولكن بالبشرية قاطبة على أيام مضت حتى يخال للمطلع على سيّرهم، أنهم عاشوا مئات السنين، بمواصفات المعيشة في زمانهم، فما القياس الذي يمكن أن نتصوره إذا كان بسرعة زمن كهذا الزمان، وما يوفره من وقت، قد يكفينا أن نر ما أنجزوا في أزمان قليلة من أعمارهم لنتأكد أن الساعة عندنا لا تتساوى عند غيرنا فنظرية النسبية لأنشتاين تتحقق في كل حين إن أردنا أن نقارن حياة أشخاص عبر التاريخ بأشخاص بنفس أعمارهم من أمثالنا وأقصد السواد الأعظم من البشر، ولا أقصد أحد بإسمه، فَفِينا من يستهل أن نهبه من حياتنا لو كان ممكنا لما يقدمه من خير ونفع للبشرية.

والحقيقة أننا لو أردنا كتابة سيرة أحدهم لألفنا كتبا وكتب بينما بالمقابل نحتاج الى أسطر على أكبر تقدير لكتابة سيرة أحدنا،أو أديب لكتابة بعض الصفحات، وأشير هنا الى الأعمال التي تدر بالفائدة والخير على الفرد والمجتمع وليس بما أهدره من وقت فيما لا ينفع فمن هذا الجانب سوف نكون من السبّاقين.

والجواب عن السؤال الذي ربما نطرحه، أين تذهب أعمارنا؟….

لا يكاد يبتعد عن مسافة الأيدي أو على الأقل لوحة المفاتيح، فنحن نقوم بعكس ما نريد، نريد أن نكون خيِّرين و لانفعل من الخير إلاّ قليله، ونريد أن نسافر ولا يبرح البعض يشتكي عناء السفر رغم ما يوفره هذا الزمان من رفاهية مقارنة براحلة ذلك الزمان إن لم يكن على الأقدام سيرا، ولعل رحالة كإبن بطوطة شاهد على ذلك، نريد أن ننهل بعض العلم الموفورُ، فبالضغط على الزر على الأنترنت يلبى الطلب في كل العلوم والمناهل واللغات والمشارب والألسنة ولكننا عكس ذلك نذهب إلى التافه من الأمور، ونبحر في غير العلم والبحث والفائدة، ولكن في اللهو الذي يُفني العمر دون أن ندري، ربما نضيع سنين من أعمارنا في المقاهي والأنترنت، المتقي والمـُّتدين منا، يريد أن يُلُم من الخير، ولكن تسرقه الحضارة الزائفة وبذخ العيش وينسى أن من المتقين من تناسى وجود البشر، وله في كل كتاب من تاريخنا إسوة، ولكنه إن ترفع عن الصغائر ليكبر نفسه وحاله ويتقي بنفسه عن بعض التفاهة، ويستأثر بعوالم أخرى كالأخبار فتبعده عن دينه وحاله، وتجعله يعيش مهموما من مصائب بني جِلدته، غير قادر على فعل أي شيء، متناسيا قدرة الله في تسيير الأمور، فتقّصي أخبار العالم يحبط المرْء ويجعله يعيش في دوامة أخرى، تبعده عن مقاصده التي رسمها.

ولا يبرح المرء منا عن الشكوى من زمانه وأنه كان سيكون في أحسن حال، ربما في ماضي غير بعيد أو مستقبل مرتقب، وينسى أن الرجال من تصنع التاريخ وتلين الصعب، فمثل أبوالقاسم الشابي لم يعش إلا فتيا لكنه ترك قصائد تجوب العالم تحرك الماء الراكد،بل تحرك البركان الخامد من ألاف السنين، وتصنع الثوار في كل دار ولم يهتم لزمانه أو هيمنة المستعمر فيه، فلم تكن الظروف تعيقه، بل كانت حافزا له، ولكننا نعيش الآن خير من ملوك سبقتنا ولم نفعل ما يفعله العامة في زمانهم فالحرب إن ذكرت بإسم القادة أو الملوك فهي لا تنفي من
شاركوا فيها، فسيرهم من سير ملوكهم و لا شك أن الإمام الشافعي قد قاس في النفس البشرية عندما ذكر أبياته الشهيرة:

نَعِيبُ زَمَانَنــــَا وَالعَيْـبُ فِينـــــــَا ** وَمَـــــا لِزَمَانِنَا عَيْبٌ سِــــــــــوَانَا وَنَهجُو ذَا الزَّمَانَ بِغيرِ ذَنْبٍ ** وَلَوْ نَطَقَ الزَّمَانُ لَنَا هَجَانَا
فماذا لو كان قوم قد مضوا حلّوا بهذا الزمان؟ بكل بساطة… لكانوا فعلوا عكس ما نفعل، فالعيب لم يكن يوما بالزمان بل بمن عايشه.

لا تعليقات

اترك رد